إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

ماذا قالوا عنهم

Collapse
X
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • ماذا قالوا عنهم

    -1-
    بوست جديد نتمنى من الجميع المشاركة – به مواضيع كتبت عن قامات رحلوا عن هذه الدنيا
    لهم الرحمة والمغفرة – وبالتاكيد مشاركتكم سوف تزيد هذا البوست بهاءاً
    كتب د. محمد عثمان الجعلى عن الراحل الطيب محمد الطيب
    البروق ومدد الحروف:
    برق الطاء:
    خبيب أخو الأنصار نعم المعاهد تـــقي نقي القلب عابد
    دعا دعوة تنهد منها القواعد شهيد لجنات النعيم مشاهد
    يسير إلى الجنات سبقا بفارط
    برق الميم:
    تــلونا كتاب الله للآي ندرس وبـــالحمد سبحنا له ونقدس
    ومن حولنا الأعداء بالمكر تهمس وندعو عليهم وهو سهم مقرطس
    وإن يمكروا فالله بالمكر عالم
    برق الطاء:
    على حمزة تبكي البواكي وماتني على حمزة ليث الحروب الخبعثن
    وما مـــر يوم كحمزة محزن على المصطفى يا للشهيد المؤبن
    فلو عاش ما خر الحسين بمأقط
    (العلامة عبد الله الطيب المجذوب :برق المدد بعدد وبلا عدد)
    توطئة وإستئذان:
    هذه كلمات في مقام رحيل أخي وأستاذي الطيب محمد الطيب..استأذن القاريء الكريم إن وجد غلبة للجانب الشخصي في بعض أجزاء هذا العمل ..كغيري من العشرات بل المئات من أبناء الشعب السوداني كانت لنا مع الطيب علائق هي لوشائج الدم أقرب ...كان لنا بمثابة الأخ الشقيق يظللنا بدفء آصرته ويمنحنا وجوده الآسر وحضوره البهي درقة متينة من الأنواء والتصاريف ...كنا نقدمه في أفراحنا ككبيرنا وكان يتوسطنا ويتقدمنا في اتراحنا كأنه واحد منا....نلنا بفضل الله نعمة أخوته واستاذيته ونصحه وتوجيهه فليأذن القاريء إن وجد الإخوانيات تحتل حيزا في مقام الحديث عن رجل عام كالطيب محمد الطيب وعزائي في ذلك إنني اكتب عن الطيب و"أتاوق" "متاوقة مشاترة" من نوافذ متعددة أقلها النافذة العامة والتي كتب عبرها العديد من الأخوان بحذق ومهارة ومحبة للراحل الكبير.
    الهمباتي الأخير:
    "أُمّاتِي القِبيلْ بي حِنّهنْ لجّـنّي
    كَرفة وقَلدة كيف شوق اللّبن رَجّني
    حُزناً جاني في مَيْع الصِّبا يلَجِّني
    أطلعْ مِنِّي يا جلدي المِنمِّل جِنيِّ
    واطلعْ مِنِّي يا حُزناً بِقى مكَجِّني"
    (محمد طه القدال: مسدار أبو السرة لليانكي ...والله نسأل أن يتغمد بواسع رحمته أخانا المرحوم تاج السر سليمان فقد كان مبتدأ المسدار وخبره في آن)
    من غير قدال يمكن أن أستسمحه في أن يعيرني قافيته الفريدة زاملة أعالجها تحويرا وتبديلا لتقلني هربا من "حُزناً جاني (مع الزمن) يلَجِّني" ومن "حزنا (من كترتو) بقى مكجني" ..حزن عميق أنوء به واستردفه وأنا اجهد وسعي في دروب البحث المكد عن مفردات تقيل عثرتي في التعبير عن فقد أخي الطيب محمد الطيب.

    وقفت أمام عتبة باب المقال فأستحضرت صورة صاحبي الطيب ...استعدت "كنتور" شخصية الرجل متفحصا فلم أجد مفتاحا أليق ولا وصفا أروع وأدق يعبر عن مجمل صفاته المهنية والشخصية والإنسانية مما جادت به قريحة اثنين من عمالقة الشعر الشعبي المعتق ....وجدت مبتغاي في مربعات عبد الله حمد ود شوراني والصادق ود آمنة بت النور فالتزمت خيمتهما ...الشاعران الفحلان برعا في وصف الطبيعة والبشر والخلائق جميعا ...أعدت قراءة محاورتهما ومجادعتهما وهما يفخران ب"الطربان" و"القدين" فلم اتبين أكانوا حقا يصفون ويمدحون زواملهم أم البشر الذين يحبون ...تأمل معي حب ود شوراني للطربان جمله:

    "كتح الصافي علاك يا اب سناما رك
    أبوك فارط الجدي الأخد الروينا وجك
    على ست الصبا الدكانا قاطع اليك
    رايف وفكفك الحسكة أم حديدا شك"

    وتأمل شعر ود أمنة وفخره بالقدين:

    "بعد اتفاضل الزهمول وسوطو جبك
    جريك عنا وسرعك برق ونايبك كك
    عادة جدك السوسيو عليها عرك
    بعيد زي غايس البرق اب هطيلا تك"

    ك"الطربان" نال الطيب حظه من "صافي" الزاد المعرفي الحقيقي فقد نهل من معين الشعب الثقافي الماهل الذي لا ينضب وموارد علمه التي لا سواحل لها ...نال الطيب حظه الوافر من علوم البشر والدنيا ..ف"كتح" منه واستسقى ... غادر صفوف التعليم النظامي باكرا ملتحقا بفصول مدارس الحياة ...مدرسته الكبرى كانت البشر ...أوغل في حياتهم ،تقاليدهم ،علاقاتهم وسلوكياتهم فنال حظه من كل ذلك ثقافة ودراية وعلما وإنسانية ...الطيب كان مثالا حقيقيا للمثقف العضوي كما رآه قرامشي ..أخذ من الناس فأنتج وأعاد الإنتاج لأصحابه في جدلية سامية وراقية راكزة على تعظيم القيم المضافة وإشاعة فائض القيمة.

    على صعيد الكسوب والتعلم والكد والاجتهاد أخد الطيب "الروينا" وجك ...كان "البرنجي" دائما وذلك عين ما لاحظه الفكي عبد الرحمن عن الطيب...في عملنا الموسوم "الحواشي على متون الإبداع" وفي الحاشية الخامسة تحديداً بعنوان "بل لله درك أيها الفلاح الفصيح أو :إتحاف الزمان بمقامات الفكي عبد الرحمن"..علقت على كلمة رفيعة البيان محكمة العبارة سطرها الفكي في شأن الطيب اسميتها "المقامة الطيبية"...قال الفكي :"الطيب محمد الطيب، طيبان يتوسطهما محمد، فأل حسن، الفجر حي على الفلاح، وجاء للحياة فلاح في البدن والعقل والروح، لم يحبو فمشى، ويمشي فما تتعب رجلاه، يروح، يجمع،يعد، يعرض فيمتع، الطيب في ذاكرة البلد". ..نعم الطيب "أخد الروينا وجك"... "جك" الطيب مجتهدا في دروب التراث مستهدفا كشف المستور في علاقات البشر والمجتمعات وذلك هو "ميس" سعيه وجهده ..ذلك هو الميس "القاطع اليك"...هرول الطيب "رايفا" متلفتا لمظان الحكمة الشعبية ومكامن الإبداع الشعبي وقد تحرر من كل كوابح البحث وموانعه ففكفك كل "حسكة" مانعة وملجمة لكل باحث طليعي أصيل.

    جهد الطيب الذي لم يتوقف لأربعة عقود في دهاليز مسارب التراث لا أجد له وصفا أعمق من وصف الصادق ود آمنة لزاملته "جريك عنا وسرعك برق ونابيك كك"...الجري والسرعة وتعب الجوارح كلها من عناء الترحال المتواصل لكشف المجهول .. عقبت على مقولة الفكي عبد الرحمن السابقة بقولي :" الطيب محمد الطيب شيخ زمزمي معتق نهل من حياض معرفة حقيقية لا يغيض ماؤها واستظل بجنان علم أصيل لا ينقطع فيؤه .. "يمشي فما تتعب رجلاه، يروح، يجمع، يعد، يعرض فيمتع" .. بالحيل .. بالحيل ..الطيب هو كاهن التراث وحامل مفاتيح ملغزات وخبايا الفولكلور ....حرس التراث وظل اميناً عليه منافحاً دونه ...رحمة الله تغشى أخانا الطيب الذي ذرع البلاد من حلفا لتركاكا ومن دار فور الحرة النبيلة لكل قبيلة على التاكا أو كما قال صلاح .. الطيب ذلك المليء أخوة حتى النخاع والمليء شهامة حتى مراتب من تغنى فيهم "طبيقه" وخدينه مبارك حسن بركات أخذاً من "بيت قصيد" الموروث الشعبي:
    "الجنيات بلاك في الحلة آفة عيش
    وود المك دا راجلاً بيعزم على المافيش"

    ونواصل ...
    حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

  • #2
    رد: ماذا قالوا عنهم

    -2-
    بين اليقظة والرؤيا: ود كدودة والماغوط وبينهما ستي نور
    قبل وفاته بشهرين وحين علمت بتردي حالته الصحية عاودني بل "تاورني" ذلك الاحساس الحزين البائس الذي غشاني وانا أجالسه الصيف الماضي بمنزل العمدة الأستاذ صديق علي كدودة المحامي بحي العباسية بأمدرمان ... كان يبدو متعبا ...كان متكئا ...وجهه للحائط وقد أولانا ظهره...كنت عند دخولي عليهم قد لاحظت إن بريق عينيه الغريبتين الذكيتين بدأ لي شاحبا .. سألته "الطيب انت تعبان"؟"..رد علي ولم يلتفت ناحيتي "لع"..قلت له :"متأكد؟".."قال لي بضيق شديد :"قلت لك لع"...قال لي صديق :"زولك بخاف من المرض ومن الموت"...قال لنا الطيب وهو ما زال يقابل الحائط:"يموت حيلكم".

    وهو في حالته تلك أوسعناه (صديق وأنا) أسئلة سخيفة وقصصا مريبة ومكايدات "قليلة حياء" ..تلك هي عادتنا التي لم يكن ليمنعنا عنها غضبه الحقيقي او المصطنع ولا عوارضه الصحية التي تلاحقت في السنوات الأخيرة...مطلق وجوده، متعافيا أو عليلا، ظل يهيء لنا سوانح وفرص محاولات مستحيلة للعودة للطفولة الأولى ...ونحن نطقطق حبات مسبحة العقد السادس يحلو لنا أن نستعيد (لا بل نعيد تركيب) أيام صفاء ولت واختطفتها تصاريف الحياة ...نستعيدها في حضور الطيب .. في حضوره البهي المشع وفي غياب الأغراب يحلو مجلسنا ..نمارس كل ألوان الطيش والنزق ..كل ما نخفيه عن الآخرين، الأقربين منهم والأبعدين، نمارسه أمام الطيب الذي يبدو سعيدا وأنا والصديق نتعارك أمامه ...نمارس "الجهالة" المقصودة لذاتها...كان يستهوينا أن نستدرجه لبعض ما يكره وكل ما نهوى ونحب ... في ظل تقدم العمر وانحسار هوامش الفرح وتباعد ايقاعها وتعدد منغصاتها كان وجود الطيب يوسع لنا ضيق الصدور ويرفع لنا ما كان متدنيا من أحوال النفس ...يحاول ان يكون جادا ...لا يتركه صديق ...الطيب كان يحب صديق حبا قل أن تجد له مثيلا ...يعجبه فيه ذلك الذكاء الفطري وروح الفكاهة الأصيلة والكرم ..يعجبه فيه تلك الخلطة الربانية العجيبة...خلطة تجمع بين شجاعة حد التهور ودمعة طرف العين ...تجمع بين فصاحة اللسان والإبانة الكاملة باللغتين من جهة وبين قدرة مهولة وكامنة على إدعاء التهجي وعلى الرطين باللهجات وتقمص سمات "البوامة" ...خلطة تجمع بين السترة الأفرنجية الكاملة والعمامة "صقير قيل" و"خوسة" الضراع...كل ذلك يعجبه في العمدة ود العمدة ولكن مبلغ حبه لصديق أنه مثل الطيب حكاء من طراز فريد ..صديق حكاء من طبقة "حاج الصديق وزن عشرة" الذي سنعرض له قبل ختام كلمتنا هذه وتلك طبقة مستحيلة ....مجلس الحكي الذي يتناوبه و"يتشالبه" صديق كدودة والطيب والفكي عبد الرحمن ومحمد عبد الله الريح وعبد الحليم شنان لا يشتهي جليسه وزائره بعده إلا الشهادة والموت!.

    حين أحس اللواء عبد الوهاب الجعلي بأن الطيب قد مل جهالتنا وسخفنا المتواتر انهي السجال بالعسكرية القديمة:"خلاص ياخي أمنع الكلام" فامتثلنا للأمر ...قال الطيب مخاطبا عبد الوهاب :"يا أمباشي قوم أنت امش أهلك وبالمرة سوق أخوك دا معاك أصلو وكت يلقى صديق طبعوا الخربان خلقة قاعد يزيد خراب" ..التفت إلى صديق قائلا:" قوم انت يا أفندي وديني البيت"...وانا اغادر منزل صديق ظهر تلك الجمعة تملكني تماما شعور قوي كريه بأنني ربما أكون قد رأيت "اخوي" الطيب للمرة الأخيرة.

    يوم وفاته هاتفتني أبنتي ستي نور من السودان ...أدركت من صوتها أن هناك أمرا جللاً...كانت ككل أهل بيتي وبيوت أبناء وبنات حاج أحمد أبي نعتبر الطيب واحد منا ...قالت بحزن حقيقي وصوت باكي وحشرجة بائنة "البركة في الجميع يا بوي عمي الطيب محمد الطيب مات"....لم تزد ولم أطلب الأستزادة ...ترددت ولم أقل لها نعم كنت أحس واتسمع نعيب غراب البين مذ رأيته في الصيف الماضي في منزل صديق كدودة ...وأنا أضع الهاتف تلك العصرية الباهتة اللون الماسخة الطعم تذكرت الماغوط حين أنشب السرطان أنيابه وأظافره في جسد سنية صالح زوجته والتي كانت بالنسبة له أما واختا وأبنة ...خطر لي الماغوط وهو يكتب بيد راعشة "سياف الزهور: مقطع من موت واحتضار سنية صالح":
    "يا رب
    في ليلة القدر هذه،
    وأمام قباب الجوامع والكنائس،
    اللامعة والمنتفخة كالحروق الجلدية..
    أساعد الينابيع في جريانها
    والحمائم المشردة في بناء أبراجها
    وأضلل العقارب والأفاعي
    عن أرجل العمال والفلاحين الحفاة
    ولكن.. أبق لي على هذه المرأة الحطام
    ونحن أطفالها القُصَّر الفقراء"

    رحل الطيب وبقينا نحن أطفاله القصر الفقراء
    رحل الطيب ولا تزال كهولتنا تنادي على توق مستحيل لأيام سعادة كان من الممكن إعادة استنساخها في حضور الطيب
    رحل الطيب فهرولت متولية ساعات الصفاء و"الخوة" أمام أيام زحف آليات السوق وحاسبات الربح والخسارة التي جاءت بكامل منسجها ونولها لتغزل علاقات البشر
    رحل الطيب فجفت أقلام الحديث الذكي ورفعت صحائف الكلم الشجي الخلي الذي يخضر القلوب ويرهف الإحساس فيمنع عنه جلافة الخلق ويدرأ عنا شر فساد الطبع
    رحل الطيب فاحتلت أرواحنا جيوش البلادة والسأم وهي تنتشر كما جدري الشمومة متسربة في خياشيم الأيام ورئة المجالس
    رحل الطيب فعم الحزن ديارنا وازددنا كبرا على كبر وعجزا على عجز

    رحل الطيب بعد رحلة إبداع عظيمة وبعد معاناة طويلة مع العلل ...لعل جمال بخيت كان يعنيه وهو يحكي عن السفر الطويل:

    "سفرنا طويل ....وضاع الصبر والتساهيل
    وتيار الأماني ضاع
    لا دا مركب ولا دا شراع
    ولا معنى لأي دموع
    ولا معنى لاي وداع
    دفعنا العمر في الرحلة
    وهيه رحيل
    سفرنا خلاص ما عادش طويل"
    (جمال بخيت: سفرنا طويل : ديوان شباك النبي على باب الله)

    صيوان العزاء:
    الفاتحة:
    فاطمة ذو النون
    الأقمار البنيات الثماني
    أنساب الطيب وأصهاره وأهله وعشيرته

    الفاتحة:

    للاحياء:
    عبد الوهاب الجعلي
    صديق على كدودة
    محمد عبد الله الريح
    صالح محمد صالح
    أمين عبد المجيد
    أحمد حسن الجاك
    صلاح أحمد إدريس
    محمد المهدي بشرى
    محمد طه القدال
    عبد المحمود محمد عبد الرحمن
    حسن أبو عائشة
    مهدي شيخ إدريس
    محجوب يحي الكوارتي
    المهلب علي مالك

    البقية في حياتكم وربنا "يجبر الكسر" و يصبر الجميع ولكن ...حرم "فرقة الطيب ما بتنسد"

    لأرواح:
    الفكي عبد الرحمن
    عبد الحليم شنان
    محمود دبلوك
    نفيسة بت أحمد الجعلي شقيقتي
    حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

    Comment


    • #3
      رد: ماذا قالوا عنهم

      3-
      ها قد جاءتكم روح الطيب ...جاءتكم منشدة حائية السهروردي:
      أبدا تــحن إليكم الأرواح ووصالكم ريحانها والراح
      وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم والــى لذيذ لقائكم ترتاح

      ها قد جاءتكم فلعلها تجدكم ،باذنه تعالي، في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ..اللهم آمين.

      أب كريق التراث ودود وعر الفلكلور :المتاوقة من نوافذ قطار كريمة:

      عام 1977 تعرفت عليه ...في محطة السكة الحديد بالخرطوم في طريقي لعطبرة ...ذلك الزمان كان لا يزال للسكة حديد شيء من عافية مستمدة من عافية البلد النسبية العامة ..كان لها مكتب كنترول وحجز ودرجة أولى ونوم ... في انتظار المغادرة جاءني عبد الوهاب أخي بيده اليسرى التذكرة والحجز وبيده اليمنى الطيب محمد الطيب في طريقه للدامر..."عثمان ربنا اكرمك بالطيب ودي ما بتتلقى بالساهل".

      سلام حباب...وأصطنعنا جهوزية السفر ...الصحف والمجلات ...فمكتبة محطة السكة الحديد بالخرطوم كغيرها من موانيء التسفار ونقاط تقاطع المواصلات كانت حافلة بألوان الثقافة المحلية والعربية والاجنبية...وما كنت احتاجها والطيب رفيق السفر ولكنها غفلة الأفندية.

      وقفنا في أنتظار قطار كريمة...بعد لأي هلت بشائره والناس يتدافعون ...خرج من الورشة للمحطة متهاديا وكأنه يسير على أيقاع "دليب" خافت ..تجاوز خط المناورة ملتمسا الخط الرئيس...بدأ في التهاديء مبطئا وكأنه ساقية تتوقف قواديسها تدريجيا لرهق "الأرقوق" وقد "ساق فجراوي" ...توقف القطار بعد أن اهتزت جوانبه ....دخل الناس ودخلت الحقائب و"المقاطف" ...رويدا رويدا هدأ المكان ...أخذ قطار كريمة نفسا طويلا ...تنحنح ...شهيق وزفير ..أطلق صافرتين طويلتين ومن ثم على بركة الله مجراها ومرساها...الناس يرتبون أوضاعهم داخل القمرات ...يحاولون ما استطاعوا تأمين أكبر حيز لهم في القمرات...يبدأون الرحلة بالشجار..."يا خوانا عندنا مرة كبيرة وعيانة خلوها معاكم"..."والله الفجة دي حاجزنها لي جماعة أهلنا ماشين يركبوا من بحري"..."طيب خلوها معاكم لا من نصل بحري"..."المرأة الكبيرة تدعي المرض ويحسب من رآها أنها لن تصل بحري ناهيك عن كريمة...حين أحست بأن لا جدوى من الأستعطاف طرحت ثوب التمسكن وأدعاء المرض جانبا وأسفرت عن شلوخ "لا وراء" وعن نفس حار "لا قدام" :"نان اول أنتو القطر دا اشتريتوهو ولا ياكن متلنا راكبين بالأجرة؟"..."باركوها يا جماعة ..باركوها يا جماعة""..قبل أن يصل القطار محطة بحري كان رفاق السفر قد تآلفوا وبدأوا طقوس التعارف السوداني..."انتو من ناس وين؟".."تعرفوا ناس عبيد الله ود أحميدي؟"..."يا سلام أكان كدي نحن أهل ...أها عبيد الله يبقى للحاجي دي ود عمها لزم".

      محطة بحري وناس بحري والختم ....دق دق دق ... كان أسمها الحلفاية ...وبعدين يا خي شغل بحري وقبلي دا ما حقنا .. القبلي عندنا في السما ما في الواطة قاعدين نقول "القبلي شايل" ...في الواطة نحن ناس سافل وصعيد ..بحري يعنى شمال دي أظنها بت ريف .. ضحك الطيب وهو يقول ما شفت في "المسلسلة" المصرية يقول ليك "شقة بحرية ترد الروح ترمح فيها الخيل ..فيها تلات مطارح وعفشة مية"...دق دق دق ..بحري والحلفاية وود ضيف الله ...الختم ود سيدي عثمان ..وقفنا عند ود ضيف الله واسترسلنا في الحديث عن بحري والمراغنة.
      ما بين محطة الخرطوم بحري ومحطة الكدرو تحدثنا عن أهرامات المدينة ..سيدي علي وتجاني الماحي ونصر الدين السيد وسليمان فارس "السد العالي" وخضر بشير وعبد المعين وعوض شمبات ومحجوب محمد صالح وبابكر عباس والجاك عجب ...مدينة ورموز...كان محور حديثنا هرم بحري الأول الختم ود سيدي عثمان برمكي أشراف مكة ..أستاذ الطريقة الختمية سيدى على الميرغنى .. ظل رابضاً في أعالي المدينة شامخاً كأسد طيبة بعرينه بحلة خوجلى يطل على المدينة من عل من بين ضريح السيد المحجوب وبيان الحسن أب جلابية .. أدار الحركة السياسية الوطنية من بين طيات الثقافتين العربية والافرنجية ومن خلال ترديد:
      "صلوا علي صلوا علي بحر الصفا المصطفى"
      صلوا عليه وآله أهل الوفاء
      عصريات الجمعة في مدينة بحري كانت مسرحا عظيما لإنشاد متواصل لخلفاء السادة المراغنة ..."السفينة" بموجها المتلاطم من المحبين تصدح ب "صلوا على" ...الأنشاد الكورالي في هذا القصيد النبوي يبلغ شأوا إعجازيا ...ينسرب صوت المقدمين ليستلم مصاريع الأبيات من الكوارل دون فواصل للأقفال فيبدو القصيد عملا ملحميا من الطراز الأول.

      الخلفاء يرددون وينغمون "عليك صلاة الله يا خير من سرى" وقد توشحوا ترانيم "الهاء البهية والنون نصف دائرة الأكوان" .. حين كان أهل المغرب يوارون ملكهم الحسن الثاني مثواه الاخير كانوا ينشدون عليك "صلاة الله يا خير من سرى"...الأبيات لسيدي الأمام الأكبر محي الدين بن عربي ...شطرها للختمية سيدي محمد سرالختم الميرغني وشطرها لأهل المغرب مشايخ التيجانية خلفاء سيدي أبو العباس أحمد التيجاني ...وتبقى في الحالين على ذات اللحن والأيقاع ... "عليك صلاة الله يا خير من سرى" إحدى درر القصيد النبوي العابر للقارات والجامع لحب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام... نعود لبحري والخلفاء ينغمون "عليك صلاة الله " وقد توشحوا بأسرار الحروف وقد عبق البخور وسرت قشعريرة الوجد الصوفى المتسرب من نفحات مقام "ستي مريم" في سنكات وضريح "الحربية" فى أعالى كرن وأغوردات .. مولانا الحسيب النسيب السيد على الميرغنى لم يكن رجل دين ومن أقطاب الصوفية فقط ،وكذلك لم يكن سياسياً مرموقاً حصيفاً فقط، ولم يكن محسناً منفقاً فقط .. ولكنه كان كل ذلك واكثر .. على الميرغني كان في شخصه وأهابه الفردي وبعيداً عن أطر الطريقة الصوفية والحزب السياسي رجلاً مؤسسة .. حول ضرايح أسلافه خططت المدينة شوارعها وحددت "ميسها" .. فى اتجاه الضرايح أديرت "مايكرفونات " المديح المطنب وفى اتجاهها أيضاً أديرت "مايكرفونات " الهجاء المسهب .. وفى الحالتين صارت الخرطوم بحرى "أم الدوائر" الإنتخابية وبيت قصيد السياسة وصنعاء الرأى والمشورة .. لوجود على الميرغنى كان حى "الختمية" وبسببه قام حى "الميرغنية"...دق دق دق .. و"نظرة يا أبو هاشم"....وانا أتحدث عن بحري كان الطيب يتحسس مطمورته الفلكلورية..هذا رجل يجيد الإنصات بذات قدرته الفذة على الحديث...مداخلاته عن رموز بحري أضاءت لي ما اعتم واستشكل في ذاكرتي عن مدينتي.
      حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

      Comment


      • #4
        رد: ماذا قالوا عنهم

        -5-
        دق دق دق ...جبل جاري (قري) و"حلال المشبوك في الشيخ فرح ود تكتوك" وحكاية .... دق دق دق ..."أنت يا جنا بتحضر في شنو؟" ...بحضر في إدارة الاعمال ...الأنظمة الإدارية وكلام في البيروقراطية ...يا خي البيروقراطية دي راقدة عند أهلنا ...المرة متمسحة (أي راقدة كالتمساح) راقدة والجدادة جنبها ما بتنهرها ...المرة تقعد تكورك ...تعالي يا بت ..تعالي يا بت ...تعالي يا بت قولي للجدادة دي كر".."الجدادة وكر" يا رحمة الله ما سمع بها شيخنا ماكس فيبر ولا عالجها "الأسطوات الكبار" ميرتون وسيلزنيك وقولندر ومن تبعهم بإحسان وبغير إحسان ..."الجدادة وكر" فاتت على عباقرة التنظيم الاجتماعي ...كتابات تالكوت بارسونز الملغزة المستفزة الملغومة واجتهادات اليهودي الشاطر إمتاي اتزيوني وسي رايت ميلز .. مساكين فاتتهم السانحة ولم يمتطوا قطار كريمة مع الطيب محمد الطيب ...."الجدادة وكر" وتنظيم العمل والتخصص الوظيفي و"الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية" الكتاب العمدة لفيبر...كلام كبار سهرنا لحفظه وأزعجنا بشأنه الأنجليزي المؤدب ابن الناس صديقي فرانك بلاكلر واستاذي الاستعماري العتيد البروفيسور دنيس جابمان...جابمان كان من غلاة المحافظين متيما بإنجلترا القديمة محبا لونستون تشرشل آخر العتاة الجبارين ...تشرشل كان ضابطا صغيرا في جند الفريق هربرت كتشنر في "كتلة" كرري ...أسمى كتابه "معركة النهر"...حصد المكسيم الآلاف من جيش المهدي والأمير المقدام إبراهيم الخليل يصيح بمن بقي من المحاربين المجاهدين "سدو الفرقة ..سدو الفرقة"... تشيرشل قال عن جيش المهدية أنه أنكسر تحت قضبان القطار ...ويقول سيدي عبد الله الطيب المجذوب :" كان مجذوب بن أبي بكر مجاهدا حين التقت "خيل اللات بخيل الله" ذاك وصفه حين التقت خيل كتشنر برجال عثمان دقنة :
        قلبي مشتاق مشتاق للإمام مهدي الله طبي القاسما

        محطة الرويان ...وتتواصل حكايات المهدية ...وفجأة تعطس زاملة الحديد ...تش تش تش ...سيك ..سيك سيك...توقف الراوي عن الحديث الممتع متسائلا: القطر دا مالو؟ ..يتاوق من نافذة القطار ...المحطة قالوا فيها مناورة ..اكسبريس حلفا داخل ....أنزل يا جنا نشوف لينا شاي ... دق دق دق ... قلت كيف عن تشرشل؟ ..أيوه المهدية الجديدة ... الإمام عبد الرحمن وعكير الدامر...هنا جن صاحبي الذي كان وقورا ...وقف بعد أن كان جالسا:
        عهدنا معاك كنداب حربة ما بتشلخ
        وصرة عين جبل بي صاقعة ما بتفلخ
        كان إيدينا فيك من المسك تتملخ
        السما يتكي وجلد النمل يتسلخ

        الله أكبر ولله الحمد ...الله أكبر ولله الحمد ..."اخدلو هوشة "..."عمي بعشوم أعرض غادي"....أثبت بابكر بدري في "حياتي" رسالة ود النجومي الباهية البهية لجرانفيل باشا وهو يحاول أغرائه واستمالته بأن يوغر صدره عقب عزل الخليفة له وتعيين يونس الدكيم مكانه ...لم تنطلي الحيلة على الأمير المجاهد فأملى على كاتبه رسالته البليغة الدالة الشافية:" انا بايعت المهدي وخليفته على الجهاد وسأستمر مجاهدا فإن قتلناكم نجد عندكم ما حكيت لنا في كتابك وإن قتلتمونا لا تجدوا عندنا إلا جبة متروزة وحربة مركوزة".... "جبة متروزة وحربة مركوزة" ...الله أكبر ولله الحمد ويعرض الطيب في القطار ...في "من نافذة القطار" (الذي استعير اسلوبه في العرض) قال عبد الله الطيب عن الأنصاري الأشوس العوض ود عبد العال :"كان يجلس في مجلس الفقيه عبد الله في طرف ...ملتزما سمت التلميذ من الأدب على سنه المتقدمة، كان ضئيل الجسم صليبا عيناه تشعان بتحفز ينبيء عن حقيقة معدنه وفي يده "فرار" كان يقاتل به أيام كان مع الانصار ولم يفارقه حتى بعد "كسر القبة وقلب الجبة".

        محطة الميجا والطيب يسترجع حديث بابكر بدري وعبد الله الطيب ولكنه يصر على أخد "السندة" عند عكير ...يردد "السما يتكي وجلد النمل يتسلخ"....حين أعاد إنشادها أحسست بأن رفيقي صاحب بيعة حقيقية ...رددها مرارا وبأنفعال أنصاري صميم ..هاش هوشة انصاري بايع في قدير وحاصر هيكس في شيكان وشارك في بناء الطابية المقابلة النيل...فيما بعد علمت محبة الطيب لعكير يجمعهما العهد المهدوي ومسقط الراس في دامر المجذوب... على متن قمرة بديعة في قطار كريمة وما بين محطتي الميجا وحوش بانقا أدخلني الطيب محمد الطيب مدرسة عكير الشعرية وعالمه الشخصي المتعدد الألوان ... الطيب يحفظ شعر وحكايات عكير بحب ووله...لعكير من الشعر أطياف ومن اللغة أفواف وله في الناس معارف وبالدنيا عرف...عندما أحب جاءت كلماته جزلة مغايرة شديدة الطرب:
        يا مولاي بشكيلك شقاي وغلبي
        حظي الديمة من ند الأنيس قافلبي"
        في كل شعرنا الغنائي،قديما وحديثا، لم أجد وصفا يبلغ الإعجاز كأبيات عكير:

        أخدر ليهو ضُل فوقو المحاسن شرّن
        وأفلج فاطرو زي برق السواري إتكرّن
        إتقسّم مقاطِع في المشي وإتحرّن
        زي فرخ القطا الأماتو ركّن وفرّن

        في وصف الطبيعة قال عكير فحفظ الطيب وأنشد وقطار كريمة الشايقي يتسمع طربا:
        الحُقَن إتملن والدابي جاتو فضيحتو
        ومو خاتي إن مرق ضاقت عليهو فسيحتو
        إندشَّ السرح وكرفت هواهو منيحتو
        والمحريب شَهَقْ فتّح قزايز ريحتو
        حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

        Comment


        • #5
          رد: ماذا قالوا عنهم

          -4-
          رحلة القطار طويلة بحساب الزمن والمحطات ...قصيرة بحسبان قيمة رفيق السفر وفوائد التسفار معه.. ..خرجنا من بحري الختم إلى الكدرو ومن ثم شرع صاحبي في الإفاضة ....كتاب الطبقات...لجهلي وجهالتي لم أتركه يتبحر ..كنت قد اقتنيت نسخة الكتاب التي حققها العالم الكبير يوسف فضل...ووقعت في أخطاء الأفندية الأبجدية ...كعادتهم حين يلمون بطرف خبر بدأت الحديث ...كان يستمع طويلا ثم يسأل أسئلة قصيرة رصاصية ثم يعاود الأستماع ...كان "كمينا" لم أتبينه أول الأمر...لم أكن أدري أنه يتربص بقدراتي ومعارفي ....غريبة نحن ناشئة الأفندية نتكلم كلنا في آن ..لعله النفس القصير ...الأفندية "يتشايلون" الكلام ويرقعونه كل من الجزئية التي يعرف ....هذا الذي أنا في حضرته رجل مكير ...ظل ينظر إلى وأنا كمن رمى به بعير ود شوراني للأرض اتحدث ولا أتوقف .. لم يكن حديثا ..شيء من "هضربة"...دق دق دق .. بعد سنوات طويلة علمت أن الرجل كان يرمي شراكه لأم قيردون الحاجة:
          أم قيردون يا الحاجة
          بت الملوك يا الحاجة
          ترعى وتلوك يا الحاجة
          في الهمبروك يا الحاجة

          "القينقرد يا الحاجة" ..."بحرك شرد يا الحاجة" ...الحيلة عند العرب وما تعلمته من دهاء "مسرة بت الشيخ" ودبارة "زينب بت بشارة" "حبوباتي" اللتان اشرفتا على تنشئة ود المرحومة كفتني شر مقطع الأقفال "دودك ورد يا الحاجة"... الدهاء والدبارة شفعتا لي فحمدت الله على ما أنعم به علي من "حبوبات" نجيضات مستفيدا من تجاريب الفكي عبد الرحمن مع أم قيردون وعلى تسهيل نجاتي من شرك الطيب محمد الطيب..كررت الحمد والشكر إذ القطار يصرخ لاهثا طالبا الماء لجوفه ونحن على مشارف الشيخ الكباشي.

          من بحري الختمية لقبة الكباشي القادرية ...الشيخ العارف بالله إبراهيم الكباشي "خصيم السم"......إرزام الطبول واللغة السيريانية ذات الأسرار الربانية:
          "سككن ساكت
          قلب قادوسو
          جرارقو اتحاكت
          كباشينا
          تهت في لجة
          "كافو" دار الكون ما فضل فجة
          من وساع جاهو"

          الكباشي وود نفيسة...ود نفيسة وعبد الله الشيخ البشير .. عبد الله الشيخ البشير والطيب...الطيب يتوهج مترنما:
          "جيت فوق جبلو
          ما بقيت قبلو
          الكباشي القيدو في شبلو
          شوفو من النور كيف لبس حللو
          يسقي سر الله
          من بطن قللو"

          مدد يا الكباشي ..مدد يا ود نفيسة ...مدد يا عبدالله الشيخ البشير ...مدد يا الطيب .."يا فندي شوف جنس النضمي دا.."يسقي سر الله من بطن قللو"..يرددها الطيب بترنيم وتوقيع صوفي خالص..خاصية عرفتها فيه فيما بعد ..حين يعجبه الكلام يردده لنفسه ولمستمعيه..حدثني الطيب عن الطريقة القادرية وعن سيدي الباز الأشهب قطب بغداد وسلطان الأولياء عبد القادر الجيلاني ..."ساكن بغداد في كل بلد سوالو اولاد" ...حدثني عن الكباشي "القيدو في شبلو"...حديث ممتع منكه بلوامع القصص وزبدة الكرامات....أخذنا الحديث فإذا زاملة الحديد على مشارف الجيلي.

          عند الجيلي كان زادي المعرفي قد نضب أو كاد ..عرفت خطأي ..أخطأت في اختيار الموضوع والمحاور...والقطار يتأهب لدخول محطة الجيلي علمت يقينا أن الثعلب قد أوقعني في فخه المنصوب بحذق ودراية إعرابي "مدردح" يمشي في الصحاري ومضارب الصي مستعينا بالنجوم..."أدي العنقريب قفاك وخلي بنات نعش في المسيمع وأبرى العرجا"... دق دق دق .. محطة الجيلي والليمون والجوافة وقصة كتاب "الإنداية" ... كنت من ولعي به قد حفظت مقاطع كاملة منه ...قلت أصحح ما وقعت فيه من أخطاء وسوء أدب في حضرة الأستاذ ..حدثته عن أعجابي بوصف الكتاب لمائدة القمار عند عرب البطانة:

          "جيتك".."حبابك"..."أنزل ".."نزلت"...الصاقعة ..حرم طقاه...الكرسابة...
          "تاني جيتك"..جنيهين..
          جمل جمل ..جيتك..حبابك..تف ..تستاهل يا ابو التاية علا جملي حرم ما بسوقو راجل.
          أبو التاية: علي الطلاق أسوقو في عين الجعيص ..دا قمار ما لعب.
          كرار : قت لك ما بتسوقو ..كضاب كان راجل أمش عليهو .
          أبو التاية:كب أنا أخو أم عارض
          كرار : وين يا ود الك....
          أبو التاية: تمها حرم أسع أدلي أيدك بالسيف.
          كرار : ود الكلب.
          كاع طاخ طراخ أمسك الزول .. أنتل منو الخوسة ..فك العصا..الحق..خرت الخوسة..يا سلام الراجل اتعوق..الحقة يا أخوانا.. جيب الصعوط سد الدم..كتر الصعوط الدم دا كتر.. المصلي على النبي كلو يمرق حقتو ..جاي."

          لطلب العفو لم أكتفي ب"تسميع" القطعة عن ظهر قلب بل زدت عليها بأن جعلت منها فاصلا مسرحيا ساعدني فيه أنها أصلا صورة حية نابضة بالحركة لا تحتاج لشيء من فنون الإخراج .."أنا أخو أم عارض" كلمة خطيرة وبليغة دونها الدم و"الخوسة"... ضحك الطيب طويلا فحمدت ربي على أن "البرطلة" قد شفعت لي وتأكد لي أن مكر الأفندية غالب بأذن الله...الامتحان العسير ومكر الأستاذ ومكر الأفندية كان من الدروس التي علمني أياها الطيب ...كلما أوشكت أن أفتي في موضوع لم استعمره بالكامل رجعت لي صورة الطيب بقطار كريمة عام 1977 والقطار ينهد ما بين الكباشي والجيلي فأحمد الله مختارا ذهب السكوت.

          الجيلي والزبير باشا ود رحمة الجميعابي وجزيرة واوسي وأهلها المحس أولاد الشيخ إدريس ود الأرباب ...الطموحات التي لم تعرف حدودا ...بحر الغزال والنور عنقرة فارس الخلا ...تكمة بن زنقابور سلطان النيام نيام ونسيبه..بت مسيمس وأبو شوره شعرائه...مصر والخديوي وحرب القرم بين روسيا وتركيا ... سليمان الزبير وإدريس أبتر وغردون الصيني ...الثورة المهدية ونفي الزبير إلى جبل طارق..معركة توشكي وإنكسار جيش ود النجومي..رواية الطيب لسيرة الزبير باشا ود رحمة التي سمعتها في قطار كريمة ونحن نغادر محطة الجيلي قرأتها مكتوبة فيما بعد عندما عربها واعدها السفير خليفة عباس العبيد من نص المقابلة الصحفية للبريطانية فلورا شو ويحمد للدكتور حيدر إبراهيم نشر هذا العمل الكبير والهام.
          حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

          Comment


          • #6
            رد: ماذا قالوا عنهم

            -6-
            وفي الحكمة أنشد عكير فأشجاني الطيب بأبياته :
            بيت المحل إن طار....يرك فوق محلو
            ودساس العرق ......نسل المراح من فحلو
            يسوي الزين معاك ......عسلن مدور نحلو
            ويجبرو علي الفسل سالف جدودو الرحلو


            ما بين الميجا وحوش ود بانقا أصلحنا مجلسنا فجلست كما العوض ود عبد العال في مجلس الفقيه عبد الله...تركت المسرح للطيب وسياحة عظيمة في ما أنتج: "تاريخ قبيلة المناصير"، "تاريخ قبيلة البطاحين"،"حياة الحمران من آدابهم"، "حلال المشبوك في الشيخ فرح ود تكتوك"...المحاورات معه لا تنتهي وقصصه لا تمل ...العبقرية في إدغام الجغرافيا بالتاريخ إذ السودان الشمالي أمامنا كتاب مفتوح وقطار كريمة يتهادي ...وكلما أوغل في السير أمعن صاحبي في محاضرته ...يعاود الرجوع لعكير والأمام عبد الرحمن:
            فيك طبع الأسد صالحت او حاربت
            وفيك طبع البرامكة بعدت او قربت
            فيك طبع الملوك شرقت او غربت
            وفيك طبع الحكيم لقمان حلل وربطت

            دق دق دق ....القطار يتهادى على وقع حديث الطيب وأقاصيصه التي لا تنتهي ولا تمل ...قدرته على الحكي وتقمص الشخصيات موهبة ربانية لا تهبها المدارس ولا مناهج التعليم ...شيء رباني ...دق دق دق...برنامج صور شعبية وفكرته ..عبد الوهاب موسى والطيب محمد الطيب ودق دق دق ..حين أسترجع إضافات صور شعبية في إطار جهود بناء ثقافة التنوع تعود بي الذاكرة لقطار كريمة ومحطات ما قبل شندي ... تلك المحطات وما تعلمته من شيخي الطيب ظلت في ذاكراتي وسيظل ...كانت هي أساس المادة التي اشتغلت عليها وانا أكتب عن الطيب بعنوان "التراث رجلا: الطيب محمد الطيب والتركيبة السودانية : ما قبل ود ضيف الله وما بعد حنان بلو بلو" والتي تضمنها عملنا "رحيل النوار خلسة"..واستأذن القاريء الكريم في أن استعيد بعض ما أشرت إليه هناك وأن اعمل فيه ما يتناسب من تبديل وتعديل ....الطيب محمد الطيب ..انطق الاسم يأتيك التراث "دخاخين دخاخين" ..الطيب محمد الطيب ..قل الاسم تتراءى لك مقدمة برنامج "صور شعبية" : صبي الشرق ملاعب السيف، "الحكامة" تشدو ب "الكان داكا ..سيدي سيد الأراكا" معددة مناقب سيدي الخليفة حسب الرسول ود بدر..عريس وعروس بكامل الرونق والبهاء ..جدلة وحريرة وتوب سرتي وحناء ..قرمصيص ونخل وفأل حسن، صبيان الخلوة بألواحهم والشرافة، جماعة حمد النيل يرزم طبلهم وقد استبد الوجد بمقدمهم الذي يدور حول نفسه بتوازن وثبات هو خليط من حرفية راقصي "البولشوى" ومهارات لاعبي السيرك الصيني ..الطيب محمد الطيب قلها واستشرف تراث أمة...صور شعبية كان دليلا راسخا على "التجانس العملى" لأهل السودان واحد المشروعات الثقافية الرائدة على صعيد ترسيخ مفاهيم التراضي والقبول الأثني كمدخل أساسي لبناء الأمة السودانية متعددة الثقافات.

            قطار كريمة وحوش ود بانقا وبرنامج "صور شعبية" الذي قدمه الطيب طوال ثلاثين عاما وبمهنية واحترافية عالية ..."صور شعبية: برنامج عالمي تتشرف به التلفزيونات ذات الحسب والنسب والأرومة ..يحسب للطيب وللبرنامج أنه كان من الرواد في اقتحام هذا العالم على المستويين العربي والأفريقي...لو قدر لصور شعبية أن يعرض في تلفاز محترم من طبقة "البي بي سي" و"سيفليزاشين" لنال أرفع الجوائز ولزار منتديات ومزارات الإعلام والأفلام الوثائقية بل لعل الملكة اليزابيث الثانية كانت أنعمت على الطيب بوسام الإمبراطورية بدرجة فارس ..أو من يدرى، علها كانت ستنعم عليه بلقب "سير" ..برنامج "صور شعبية" ومدلولاته لم يتبينها أهل "ساس يسوس" وتلك فاجعة ..الطيب نقل السودان من منطقة لأخرى فأزال العجب والاستغراب وساهم في خلق الوعي "بالأمة السودانية" ..لم يترك الطيب أمراً محيراً ذا خصوصية إلا وحل عقدته فأضحى على يديه شأناً عاماً...لو لم يقدم الطيب للشعب السوداني إلا صوره الشعبية لكان ذلك وحده انجازاً يدخله زمرة أهل الفضل ولكان كافيا ليتبوأ الطيب مقعدا متقدما في نادي "جديرون بالاحترام".

            محطة حوش ود بانقا...كرامات وقصص وروايات ودق ..دق ..دق ..يبتسم الطيب ورفيقه يهيل الثناء على مجهوداته ومثابرته وجلده ... قطار كريمة يترنم بإضافات الطيب والمحطات تترى والقطر الشايقي يترنم بغناء التومة بت محمود وفاطني بت همت :
            جاب لي توب أسمو الحمام طار
            وجاب لي فركي دموع التجار
            وجاب لي كركب في البيت غيار

            إكراما للقوز ابتدعت السكة الحديد نظام "السندات" ...عند سندة القوز شرع صاحبي في الإفاضة عن الشايقية الذين جاوروا الجعليين واحتلوا بعض مناطقهم ... أول دروسي في الأثنوغرافيا على المسنوى الذاتي التطبيقي كانت على يد الطيب محمد الطيب وهو يسألني لماذا محمد عثمان الجعلي شايقي؟ ... تحول من الذاتي للعام وهو يحكي بمعرفة ودراية تامة هجرة الشايقية القسرية بأمر "الترك" لأرض الجعليين وجنوبها حتى مشارف الخرطوم بحري والحلفاية ...على يديه فهمت مسببات وجود الحوشاب والعونية والسوراب في غير مناطق الشايقية التقليدية ...الكثير مما رواه الطيب لي في قطار كريمة عام 1977 عن هجرة الشايقية وإعادة توطينهم في البسابير وحجر العسل ونسرى وود حامد وحجر الطير وود الحبشي فسره لي فيما بعد العمدة الفخيم محمد العوض ود بليلو غشت قبره شابيب الرحمة والغفران وأنا اجالسه عند ود كدودة وزادني به علما شيخنا ياسين ود زايد حفيد الشيخ الهدي بالكدرو.

            سندة القوز...القوز أكثر أسماء المناطق شيوعا في السودان... من عجب أن بمحافظة القنفذة السعودية منطقة أسمها القوز ...وفي الإمارات وبإمارة دبي تحديداً تشتهر القوز بالمنطقة الصناعية...أعود إلى قطار كريمة ونحن على مشارف سندة القوز... أقول له اسم القوز دون إضافة يتحول لأسم محلي فقط يعرفه أهل المنطقة ولا يتعداهم ولكنه يصير معرفة تامة بالإضافة ... لاهل الخرطوم القوز هو قوز ود دياب...لمناطق شندي القوز هو قوز المطرق قوز العلم حيث العلم القديم ..هناك أيضا قوز رجب وقوز كبرو ..في الشمالية تتكاثر القيزان ..قوز قرافي وقوز ود هندي ...توقف الطيب عند قوز شندي والفجيجة والصالحين من آل صغيرون والسادة الركابية... ومن ثم عرج على قيزان الشايقية ومن ثم الشايقية وتوقف عند غناء الشايقية...قطار كريمة والطيب يسترجع غناء أصول الشايقية من منابته في تنقاسي والقرير والغريبة والكرو والدهسيرة والزومة...لحمة الشايقية تهيمن عليه في مناطق شندي وضواحيها ...للطيب صوت رخيم يغني همسا وبخجل من شعر ست زينب بت الزلال ومستورة بت سعد الله:
            ناس أمي كمان شنو
            آ زول ناس أمي كمان شنو

            في سنوات لاحقة وحين يستبد به الطرب ويقع في أحابيل إغوائنا بالطمسة كان الطيب يردد بصوت جميل خافت مقاطع من غناء الشايقية والمناصير الملغوم:
            أم دقري
            الليلة يا ام دقري تبرشتي
            الليلة يا ام دقري تبرشتي
            وتجيبي حق التموين تجي


            حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

            Comment


            • #7
              رد: ماذا قالوا عنهم

              كان صاحبي شهقة البوق ورنة الوتر ... كان حبيبي أعذب البشر إنه الرقيق أبوبكر يأتينا بالدرر ويخرجنا من الكآبة المستفذه والضجر الصديق وينعش فينا اﻷيام الجميلة التي كانت تصنع التاريخ وتجدد الشباب يسحبك اﻷديب أبوبكر العوض إلى عوالم أخرى حين يصدأ فينا التحابب وتأخذنا الدنيا إلى حيث تريد ويلعب به الزمن وتلعب بنا ... يسرا ... زمان الناس هداوة بال ونحن زمنا زمن ب.........ال ... والله يا أبوبكر جالس اﻵن في المكتب ومللت العمل وليتست من عاداتي أن أقلب في النت في المكتب ألا لماما وحين تقتضي الضرورة ولكن إشارات الضوئية بعثتني إلى عوالم أخرى فجلست أقرأ الطيب محمد الطيب وأتذكر محطات القطر ونحن سافرنا به شرقا وغربا وشمالا ولنا فيه ذكريات عطرة وفي دياره الحلوة أيام كان الناس في السودان حلوين وقلوبهم طيبة تستقبلك قراهم ومدنهم إستقبال الفاتحين وانت طفلا وشابا وكهلا قلوبهم صافيه ونياتهم طيبة ... لكن لكل زمن عجائب ... اﻷديب ليس شرطا أن يكتب أدبا ولكن من ينقل الدرر ﻻبد أن يكون قد قرأها وحذقها وأحبها ثم نقلها لنا لننهل من رحيقها ....
              لك الود والشكر ونتمنى أن يستفيد الجميع من الدخول في الكلمات وليس قراءتها .

              حاشية ( أعذروني إن أخطأت في الكتابة أو اللغة أو الطباعة ... لا أستطيع المراجعة خذوها منى صادقة )

              Comment


              • #8
                رد: ماذا قالوا عنهم

                7-
                والقطار يهديء من سيره على مشارف شندي بدأت الخص سمات الرجل المهول...المحطة والثالثة ظهرا... مناديل مطرزة في ركنها القصي سهم كيوبيد... ...طاقية حمراء ..طعمية حارة وكتلة المتمة الحارة ....دق دق دق....شندي والمتمة ...إسماعيل باشا والدفتردار والمك نمر...محمود ود أحمد وعبد الله ود سعد ...قلت اقتص من صاحبي الجعلي المهدوي فترفع عن مهاتراتي والزمني حدي ....كان درسا في إمكانية تجيير المحبة الخاصة والمعتقد الخاص لصالح الوطن والامة ...ظل ذلك ديدن الطيب طيلة الأربعة عقود التي عرفته فيها ...سودانيا كامل الأهلية ...سوداني رتب مكوناته واعتقاداته ومعتقداته بتراتبية لا تقدم الفرد على المجموعة ولا المجموعة على الأمة ...المكونات الفردية عنده، ككل حكيم رائد، أوعية دافعة ومغذية لحب الوطن أديما وبشرا وثقافة ..جعليته وأنصاريته صيرتاه سودانيا راقيا مترفعا عن القضايا الجزئية والاهداف الصغرى متجها بكلياته لما هو أبقى وأرسخ وهو السودان الجامع في وحدة التنوع القائمة على التراضي والاحترام المتبادل.
                في عمله المستنير "الحامض من رغوة الغمام" أورد المدقق الموثق كمال الجزولي نص الحوار بين الزاكي طمل وخليفة المهدي كما رواه نعوم شقير.. الزاكي طمل يقول:
                ".. وأمدرمان يا مولاى ليست بلادنا حتى نقف فيها وندافع عنها،فالأولى بنا أن نأخذ رجالنا وأسلحتنا ونرحل إلى كردفان، فإذا لحقنا جيش الحكومة إليها،وهو لا يفعل ذلك إلا بعد استعداد كثير وزمن طويل،هجرناها إلى (شكا) وهى (دارنا)،فإذا جاءنا إليها قاتلناه ودافعنا عن (وطننا) حتى انتصرنا أو متنا"! .....نعم،لم يكن الخليفة مغالياً حين استشاط غضباً على هذا الارتداد الجهير من (السودان) إلى (شكا)،من وسع (الوطن) إلى ضيق (القبيلة)،فأصدر أمره الفورى لمن على يمين الزاكى:
                ـ "شيِّلو ام اضان"!
                أى ألطمه على صفحة وجهه،ففعل. ثم لمن على يساره:
                ـ "وأنت أيضاً"
                ففعل. ثمَّ أمر به،فجرُّوه إلى (الساير) وكبلوه بالحديد،وسيِّدى الخليفة يضرب كفاً بكف مستعجباً:
                ـ "يا سبحان الله،يستقبح عبد الله ود سعد الفرار،ويقاوم جيشاً ضخماً كجيش محمود بثلاثمائة رجل لأجل (حِلة) واحدة،ونحن رجال المهديَّة وأنصارها نجبن عن حرب جيش الكفرة المخذول لأجل (السودان) كله؟! أنا سأحارب حتى أنتصر أو يقتل جيشى كله فأجلس على فروتى عند قبة المهدى وأسلم أمرى إلى الله" .

                بمثل الدروس المستفادة من هكذا حوار استثنائي خرج الطيب من تجاريبه العميقة متجاوزا سخافاتي في إيقاد فتنة بين القبيلة والطائفة فردني وهو يحدثني عن رموز مدينة شندي وتركيبتها السكانية ....للطيب صبر وجلد غريبين وهو يسعى للحصول على المعلومة التراثية وتدقيقها ومن ثم حفظها ..في بحثه الدءوب عن المعلومة التراثية الطيب لم يكن ينتمي إلى جيله ولا إلى الأجيال السابقة القريبة ..ينتمي إلى السلف البعيد الذي كان يضرب أكباد الإبل مسيرة الأسابيع والشهور للحصول على المعلومة المتناهية الصغر أو لتدقيقها ..يلاقى الطيب كل هذا النصب والكبد في زمن لم تتوفر فيها نتائج ثورة المعلومات ولم تكن قد اخترعت فيه محركات البحث الإلكترونية من طبقة "قوقل" والتي تأتيك بالمعلومة قبل أن يرتد طرف الكي بورد.

                رحلة القطار ما بين التراجمة وكبوشية وجبل أم علي والعالياب حتى الدامر كانت اخصب فترات الرحلة المجيدة.,..تنوعت احاديث الطيب ما بين "التراجمة" المعنى و"ترجمة السرياني" "و"التراجمة" القبيلة التي جاءت من تخوم مدينة الرسول يثرب...كبوشية والحضارات القديمة في "البجراوية" والنقعة والمصورات...أصول الغناء السوداني الحديث وريادة كبوشية عبر محمد ود الفكي وعبد الله الماحي.. ود الفكي واختراق الغناء المديني الامدرماني ...عبد الله الماحي وروائع الحقيبة ...عبد الله الماحي يشدو ب " يا أماني وجار بي زماني لو اراكم اصبح سعيد" و"متي مزاري اوفي نزاري واجفو هذا البلد المصيف"...الشعر لمحمد ود الرضي .. ود الرضي والعيلفون وأم ضوا بان والدبيبة... الطيب وود الرضي والجاغريو ومبارك حسن بركات...الجاغريو و"طار قلبي".... الطيب آخي مبارك وأحبه....مبارك آخر سلاطين الغناء... يصهلل مبارك وهو يسرج بالغناء سابحا في بحور شيخه ود الرضي إذ يشدو ب"تيه وإتاكا" و"ليالي الخير" ...يرجع الطيب لكبوشية والتاريخ القديم والمجد الغابر ... دق دق دق ...العالياب وأهل الخلاوي والذكر والمديح ...من المحطة تبدو شامخة مئذنة جامع الدقوناب ووتسمع الأذن المحبة روائع الشيخ أحمد الدقوني وإبنيه طيفور وبابكر في مدح المصطفى ...ينشدون "من مكة ليل عرج" ويثنون ب "الصلاة والسلام على روح سراج الكون".

                والقطار على مشارف الدامر ...بدأت أراجع سيرة الطيب ...في إيجاز بليغ لخص عبد الله علي إبراهيم جهد الطيب محمد الطيب وإبداعاته في عالم التراث والفلكلور بكلمته النيرة الموسومة "الطيب طويل التيلة" فقال: "مثل الطيب لا تهز الحكومات ''إن قصرت وإن طالت'' له قناة. فعطايا الحكومة هي حيلة أصحاب المشروعات قصيرة التيلة. أما مخاطرة الطيب الثقافية فقد كانت من النوع طويل التيلة. ومشروعيتها أصلاً في رد المجتمع الآبق، حكومة ومعارضة وشعبا، عن الحق والعدل والسماحة إلى الجادة بالاستنجاد بحكمة من الماضي وبركته. فهي مما لايؤجل حتى ينقضي أجل الحكومة الظالمة بانتظار الحكومة العادلة. فمشروع الطيب هو باب في التوتر الإبداعي الذي يتمخض عنه المجتمع الجديد. فهو مشروع للنهضة لا للمقاومة ولا يفل حديده حديد. وصاحب مثل هذا المشروع ''مَدعِي مهمة'' أي مصاب بها لا فكاك له منها"..الا إن عبد الله قد أوجز في الكلام فأفاض في المعنى. وللتأكيد فقط نشير إلى إضافات الطيب المتميزة في عمله الكبير "المسيد" والذي زار فيه ما لا يقل عن عشرة دول باحثا ومنقبا ومتعقبا لتاريخ المسيد هذا غير رحلاته التي لم تتوقف داخل السودان لذات الغرض...لقد كان الطيب حقا وصدقا "طويل التيلة".

                عند تأهبه للنزول في محطة الدامر علمت يقينا بأن المولى قد أكرمني بالطيب كما قال أخي ونحن في بداية الرحلة ...كرم المولى غمرنى وانا آنس بالطيب أخا ورفيقا وصديقا وأستاذا لأكثر من عقود ثلاثة من الزمن الجميل ....قبل مغادرته أهداني الطيب زبدة تجربته وخلاصة نتائجه....علمني وسأظل شاكرا له ما حييت أهمية التراث ومركزيته في شتى المعارف الإنسانية ... "ما تبقى على كلام الخواجات وبس ...حرم شغلك دا كلو أساسو عندك هنا...لازم تقرأ وتستوعب تاريخ السودان ..شوف عندك مناشير المهدي ...أمش لي أبو سليم عندو كنوز ...شوف سعادة المستهدي للكردفاني ..أسال عن كاتب الشونة..أقرأ بابكر بدري ..حتى يوسف ميخائيل وسلاطين شوف شغلهم ...شغل الإدارة حقك دا راقد عندنا في البلد ...علم الإنجليز فيهو النجيض أغرف منو وما تاباهو لكن الني للنار"....الني للنار .. الني للنار....أفاض في التذكر والتوجيه وهو يهم بمغادرة القطار أدركت نعمة الله على بأن هيأ لي معرفة الرجل البحر والإنسان الكبير والأستاذ الضليع.

                بهار الإخوانيات: محن الطيب وشخصياته ذات العجب:

                مالك يا الزمن سويتنا في هوله
                لبست الناس تياباً حاشا مي هوله
                من حسسك تبش دماعنا مبهولة
                اللي الله راحت بقت البواجهوله
                (ود الرضي)
                حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                Comment


                • #9
                  رد: ماذا قالوا عنهم

                  -8-
                  في كلمة شافية له عن المرحوم الطيب كتب الأستاذ كمال الجزولي :" كم كان، فى زمانه، حديد المشاغبة، شديد اللماحيَّة، منتجاً حاذقاً لبهار الاخوانيَّات اللاذع وعطرها النفاذ! "..كم كان كمال مصيبا...توفيت شقيقتي وأمي وسندي نفيسة بت احمد الجعلي .. أقيم العزاء بدارها بمدني ..الدنيا رمضان ...حضر الطيب فيمن حضر...حضر في سيارة واحدة مع صديق كدودة ومحجوب كوارتي ...بعد المغرب هموا بالرجوع ... ونحن نسير معهم إلى حيث سيارة محجوب أخرجوا مساهمتهم في الفراش ...لاحظنا أن هناك صراعاً بين محجوب وصديق.... السبب؟ المبلغ الذي مع الطيب لا يبلغ المائة ألف وهو ما دفعه الآخران...الطيب طلب من محجوب إكمال المبلغ ...صديق هدد محجوباً بأنه إذا أكمل له المبلغ لن يرجع معه ...عندها كنا قد وصلنا السيارة...قال الطيب لعبد الوهاب :"يا امباشي هاك دي ستين ألف الباقي بلحقوا ليكم في فراش الخرطوم وكتين تجو باكر"...رفض عبد الوهاب تجزئة المبلغ وصاح فيه: "يا خي ما بتخجل جاي ملح وفاطر فطور رمضان في صينية ناس الخرطوم وترمستين شاي وترمسة قهوة وحبة سكري وحبتين بندول وداير تدفع مساهمتك في عزاء نفيسة الجعلي بالقسط؟"...بينما زميلاه يضحكان أمسكني من يدي وقال :"أنت يا كا البتفهم.. وانت جيت الليلة من بره وما حضرت عيا المرحومة ...شوف أولا بالتبادي أنا المرحومة دي دافع ليها في مرضا الأخير مية ألف"..صاح فيه عبد الوهاب:"خمسين بس "...رد الطيب بسرعة :"حرم خمسين مرتين"..قال عبد الوهاب:" لا.. الخمسين التانية دي بنات الجعلي حلفن منها"...رد عليه بصوت عالي:"حلفن؟ ...والله يا حكاية حلفن..يا خي حرم لو ما الكريم ستر بنات الجعلي كانن خرتن أصابعي مع القروش"..التفت إلى :" خليك من الأمباشي ...مية للمرحومة في مرضا ودحين ستين يبقن مية وستين ... وانا وجماعتي باكر في فطور رمضان عند الأمباشي"... توقف قليلا ورفع يديه :"الفاتحة يا أولاد حاج أحمد ..حرم بعد نفيسة راسكم أتقطع" ..وركب السيارة....هذا رجل صالح يألف ويؤلف...كان يعرف مدى الحزن الذي يعترينا فعالجه بترياقه ومنتوجه الخاص من بهار الأخوانيات....كان يدرك تماما فداحة فقدنا فأخذنا بعيدا عن دنيا الحزن قريبا من تخوم النسيان والتأسي.

                  من أخوانيات الطيب "محكمة صديق" هذه محكمة صورية "موك" ...مقرها منزل الأستاذ صديق كدودة وهو القاضي...الأتهام والدفاع يتناوب تمثيله الطيب محمد الطيب والفكي عبد الرحمن وصالح محمد صالح والفاضل سعيد...يأخذون الامر بالجدية كلها ...المرافعات التي أطلعت عليها تمثل مستوى استثنائيا في الادب الرفيع... طلبت منهم التوثيق فرفضوا ربما لطبيعة "المناوشة" وما قد يكتنفها من استخدامات للغة خاصة عند الهجاء ...كشعر الكتيبة راحت مرافعات محكمة صديق ...أتاني الطيب مرة في دبي وكان مما جلبه مسودة مرافعة يعدها وصالح محمد صالح ضد الفكي عبد الرحمن والفاضل سعيد...قال لي:" همتك معانا يا خي أنا عند رجعتي راجياني محكمة حارة دحين ايدك معانا"...قرأت المسودة فوجدت فيها جهدا بلاغيا كبيرا ....هؤلاء القوم يعيشون يومهم ويتواصلون اجتماعيا ويقضون مهامهم الأدبية العامة ولكنهم يروحون عن نفسهم في نهاية الأسبوع بالطريقة التي يرون انها تسعدهم...حاولت جهدي أن اتحصل على المرافعات ولم أفلح...جربت أن أسرق بعضها ولكن الطيب كان "نجيضا كعادته"...المحكمة تنتهي بالحكم الذي يصدره صديق ولا مجال للأستئناف أو الطعن.

                  لمن يعرفون الطيب يعلمون يقينا قدرته على الفكاهة العملية وقدرته على اكتشاف الشخصيات ذات العجب...الطيب قدم للناس العشرات من الشخصيات الغرائبية ولعل أبرزهم عقيد الخيل وحاج الصديق وزن عشرة وعبد الباسط أب سماحتن جوه وود الخبير...كل واحد منهم عالم كامل بذاته وشخصية لها العجب.

                  الطيب أخذ عقيد الخيل بعربته ذات صباح...كان عقيد الخيل يطمح في أن يكون فنانا له شأن ...ذهب للطيب محمد الطيب ليقدمه لوسائل الإعلام...عندما ألح على الطيب لم يجد بدلا من أن يأخذه بعربته يوما وبدل أن يتجه به للإذاعة اتجه به لمتحف التاريخ الطبيعي حيث مديره محمد عبد الله الريح الذي كان يقدم برامجا تليفزيونية في مطلع الثمانينات ...أنزله الطيب أمام المتحف وأوصاه:" دخولك التلفزيون في يد ود الريح ...أصلك ما تمرق كان ما قابلته واخدك للتليفزيون ...لو قالوا ليك ما في أصلك ما تمرق ...أنا العلي عملتو والباقي عليك"...أنزله وغادر المكان ....أحب ود الريح عقيد الخيل وعلاقته به عرفها الناس من خلال:
                  يا بوليس المدينة
                  مدير الفن بقى لى غبينة
                  ما عرفتو زول ما عرفتو طينة

                  أو من خلال ربابته التي زينها وصدح على انغامها:
                  الملكة الختت الأختام
                  وعرفت "فلان" ظـلام
                  رحم الله عقيد الخيل وأحسن إليه.

                  في مجالس الطيب محمد الطيب عرف الناس حاج الصديق أو "وزن عشرة" ..الصديق "وزن عشرة" عليه رحمة الله رجل بجماعة، حصيف، ماكر، ذكى، فكه صاحب دعابة عظيمة ونكات عملية .. "وزن عشرة" مادح ومؤدى وممثل وحكاء بقدر لا يصدق ..قادر على أداء الأدوار الناطقة بصورة إعجازية وقادر في ذات الوقت على أداء التمثيل الصامت "البانتومايم.في كلمته عن الطيب محمد الطيب أشار كمال الجزولي إلى تجربته (والطيب) في حضرة الصديق وزن عشرة ...يقول كمال:
                  "وليبدأ العرض فى ليلة لا نظننا ننساها ما حيينا،تكشف فيها حاج الصِدِّيق عن مسرحىٍّ شديد الثقة فى نفسه، والتوقير لفنه. إنطلق يضحكنا ضحكاً كالبكا،وفينا مشايخ ما تنفكُّ أناملهم تداعب حبَّات مسبحاتهم،على أنفسنا وعلى الدنيا من حولنا،ببديع مفارقات يلتقطها،بعين الفيلسوف الناقد وخيال الفنان الخلاق،من شوارع القرية والمدينة،ومن بيوت الأغنياء والفقراء،ومن مناسبات الافراح والاتراح،ومن دقائق تجليَّات مشاعر المزارع حين يحلُّ أجل سداد الديون،بينما تتأخر صرفيات الحوَّاشات،ومن مواسم الحج،بكل ما تزدحم به من سحنات ولغات ولهجات وطائرات وقطارات وبواخر،بل ومن مَشاهِد أسفار قاصدة من مغارب الشمس إلى مشارقها،بأقدام حافية مشققة،وببعض كِسرات خبز مجفف،وبصغار مرتدفين فى ظهور الأمهات. وكان حاج الصِدِّيق يتنقل بين المَشاهِد،فى قمَّة براعته،باقتدار وسلاسة،مُقلداً عويل الريح،وبكاء الرضيع،وثغاء الماعز،وصفارة القطار،وبوق السيارة،وهدير محرِّك الطائرة،وزمجرة مفتش الغيط المحتشد بسلطته،وسخط المزارع المغلوب على أمره،وغنج زوجة التاجر القروىِّ الثريِّ تحاول تسريب طلباتها الباذخة إلى حافظة نقوده المنفوخة! كان يفعل ذلك وحده،خلواً إلا من قسمات وجهه المرنة،واختلاجات جسده الناحل،وتوترات أطرافه المعروقة،وأقصى ما يختزن صدره الضامر من إرزام،وحباله الصوتيَّة من صداح. وكنا،من شدَّة تعجُّبنا منه،نكاد نطير إليه،طيراناً،من (صالة) السجادة إلى (خشبة) العنقريب،نعانقه،ونهنئه،وكذا نفعل مع الطيِّب،منتج عرض (الرجل الواحد) البهىِّ ذاك فى مسيد ود الفادنى،فقد مَنحَنا كلاهما،فى ليلتنا تلك،أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع إنسان أن يهبها لإنسان".
                  الطيب كان راوية عظيماً لقصص و"محن "الصديق وزن عشرة...كان صديقه يأتيه بالأخبار والقصص التي لا تشبه أخبار الناس وقصصهم...كنت أزعج الطيب بطلب قصص وزن عشرة ولكنه لم يكن يمل ترديدها مع قدرة عالية على إضافة هوامش متجددة على المتن الأصلي للرواية والقصة تزيدها حلاوة وطلاوة وأسرا للمتلقي.
                  حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                  Comment


                  • #10
                    رد: ماذا قالوا عنهم

                    كتب الأستاذ/ عبادة
                    كان صاحبي شهقة البوق ورنة الوتر ... كان حبيبي أعذب البشر إنه الرقيق أبوبكر يأتينا بالدرر ويخرجنا من الكآبة المستفذه والضجر الصديق وينعش فينا اﻷيام الجميلة التي كانت تصنع التاريخ وتجدد الشباب يسحبك اﻷديب أبوبكر العوض إلى عوالم أخرى حين يصدأ فينا التحابب وتأخذنا الدنيا إلى حيث تريد ويلعب به الزمن وتلعب بنا ... يسرا ... زمان الناس هداوة بال ونحن زمنا زمن ب.........ال ... والله يا أبوبكر جالس اﻵن في المكتب ومللت العمل وليتست من عاداتي أن أقلب في النت في المكتب ألا لماما وحين تقتضي الضرورة ولكن إشارات الضوئية بعثتني إلى عوالم أخرى فجلست أقرأ الطيب محمد الطيب وأتذكر محطات القطر ونحن سافرنا به شرقا وغربا وشمالا ولنا فيه ذكريات عطرة وفي دياره الحلوة أيام كان الناس في السودان حلوين وقلوبهم طيبة تستقبلك قراهم ومدنهم إستقبال الفاتحين وانت طفلا وشابا وكهلا قلوبهم صافيه ونياتهم طيبة ... لكن لكل زمن عجائب ... اﻷديب ليس شرطا أن يكتب أدبا ولكن من ينقل الدرر ﻻبد أن يكون قد قرأها وحذقها وأحبها ثم نقلها لنا لننهل من رحيقها ....
                    لك الود والشكر ونتمنى أن يستفيد الجميع من الدخول في الكلمات وليس قراءتها .

                    حاشية ( أعذروني إن أخطأت في الكتابة أو اللغة أو الطباعة ... لا أستطيع المراجعة خذوها منى صادقة )
                    =================================================

                    قدلة يا مولاى وبشيش بشيش وروق المنقة .....
                    شكراً على المرور ، الثناء والشكر لكم لأن هذا البوست لاقى هوى فى نفوسكم ومس شقاف قلوبكم وأصابت سهامه قريحتكم ودوماً نسعد لسعادتكم وعسى أن تكون كلماتكم دافع لنا لبذل المزيد من الجهد ومواصلة نقل ما هو جميل لتعم الفائدة ولكم أخيراً الشكر الجزيل


                    تخريمة أخيرة :
                    ساعدنا بتكبير الخط شوية
                    حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                    Comment


                    • #11
                      رد: ماذا قالوا عنهم

                      -10-
                      عبد الباسط "أب سماحة جوه" وجه آخر من وجوه إبداع الطيب...كتبت عنه وأنا أتناول سيرة محمد عبد الله الريح في عملنا "الحواشي على متون الإبداع" ...في الحاشية عن ود الريح كتبت:"الطيب محمد الطيب أدخل ود الريح عالم عبد الباسط "أب سماحتن جوه" غشت قبره شآبيب الرحمة والغفران .. كان ذلك في بداية السبعينات .. لم يكن الرجل وسيماً بل كان على عكس من ذلك .. لكنه كان مادحاً عبقرياً .. ينطلق "أب سماحتن جوه" في المديح فيغيب عن الدنيا بالكلية بينما يصيح فيه الطيب محمد الطيب : "قلع .. قلع " أى أخرج الصوت من داخلك .. في حالاته وانفعالاته تلك كان "أب سماحتن جوه" "يقلع" حقيقة .. بل كان يقلع إلى شرفات من الوجد لا تدانيها شرفات .. حينها تبين سماحته ووسامته الداخلية.

                      ود الخبير شخصية أخرى لها العجب..حين أتى به الطيب لصور شعبية كان الرجل في الثمانين...عاش المهدية ...طفق يحدث الناس عن أحوال الشايقية عندما اتاهم يونس ود الدكيم حاكما..تحدث عن "الزبلعة" وأساليب الشايقية في التحايل على أوامر "سيدي يونس" خاصة فيما يتصل بالمزاج والكيف... كان يحكي وهو غير قادر على تصور معنى ان يكون ضيفا في التليفزيون وعلى الهواء مباشرة..أثناء الحكي أراد ان يتناول حقة التمباك ...صاح فيه الطيب "عمي محمد بعدين بعدين ..نحن في التليفزيون"...رد ود الخبير:"يعني شنو في التليفزيون؟"...إزداد الطيب عصبية :"الناس اسع قاعدين يشوفونا"...رد ود الخبير :" ناسا من وين؟ ووين قاعدين؟"...علم الطيب أن المعركة خاسرة فاستخدم القوة لمنع الشيخ الثمانيني من استعمال الصعوط المتلفز ...كان الطيب يبتسم أمام الكاميرا ويده تضغط على جيب ود الخبير لمنعه من "السفة"...بعدها بعشرات السنين كنت أمازحه بقصة ود الخبير... ود الخبير كان دليل الطيب لأنداية الشايقية ..كان صاحب باع طويل في مجالسها..هو صاحب "التوسل الشهير"...التوسل هو إعلان مجلس الشرب في الإنداية عند جماعة ود الخبير ...يصف الطيب دور ود الخبير في كتاب الإنداية ويورد نصوص توسله :"يقوم ود الخبير بافتتاح الجلسة رسميا ويدخل سبابته اليسرى في أذنه ويشرع في التوسل: ياالبشير في السبلاب، يا ميرغني وعبد الوهاب، يا راجل الظليطاب، يا أبزرقا كوكاب، يا وداعة الله في الحسيناب،يا ضبيع في الكشوماب، يا محي الدين في القدوراب يا العند الله قراب......يا حامد أبو امونة أب سفة بي عطرونة يا البطب المجنونة "....ثم يتوسل بالنساء:" يا مريسيلا بت الأرباب يا الساكنة رأس الساب يا ليبة ونفرين ويا بنات باشا الاتنين...يا أمات زيرا في الأرض شبرين يا المابتقابضن في دين أمات نورا يبق من الجمعة للأتنين".

                      كلمات في وداع الطيب:

                      طيلة أكثر من عقدين من الزمان كان لقاء الطيب أحد دوافع التشوق الزائد لقضاء الصيف بالسودان ...خلال الأعوام الماضية فجعت في فقد أخوالي (مجازا وحقيقة) الفكي عبد الرحمن ومحمود دبلوك ومن ثم رحل محمد الأزهري وحليم شنان وتبعه الطيب ...هؤلاء كانوا جماعتي وأهل ودي وحبي ومكان احترامي وتقديري ..بينهم ومنهم ومعهم تعلمت ما لا توفره المؤسسات ولا الدولة...هذا الرهط من الرجال حباه المنان محبة الناس والقدرة على إشاعة الود والعاطفة ..يأسرونك بفيض من اللطف والبشاشة الآسرة المطمئنة...رحلوا تباعا ونعلم يقين الله أنهم من طبقة ونوعية قل ان يجود الزمان بمثلها...نحمد الله كثيرا ان هيأ لنا معرفتهم واخائهم ولله ما اعطى ولله ما اخذ.

                      في فقد مثل الطيب أراجع سير من أعطوا الوطن والناس ..وانا أكد لأجد كلمات تليق بوداع أخي وأستاذي الطيب تقاطعت كلماتي مع ابيات مضيئة للراحل الكبير جيلي عبد الرحمن وهو يرثي المناضل الكبير والوطني العظيم حسن الطاهر زروق ....يقول جيلي:

                      "زنابق مترعة الرائحة
                      زهرة الليل تخجل لا تأتلق
                      وأنت تغيب وراء الأفق
                      أنيس
                      تجادلني رحمة وحياء
                      تطالعني فجأة
                      تغادرني فجأة
                      وكل الفصول وعمري النزق
                      فداء الذي قد تناءى
                      وصلى ثناء لأقطارها النائحة
                      وأشعل فينا ضحى البارحة"

                      كجيلي عبد الرحمن وحسن الطاهر زروق وأرتال من شرفاء أهل السودان رحل أخي وصديقي الطيب محمد الطيب ...رحل الطيب تزين جيده قلائد الإنجاز الوطني المتميز وكساوي الشرف الشعبي الموشاة بحب الناس،مطلق الناس...كغيره من مشاعل المعرفة والنور والخير والجمال غادرنا الطيب ...رحل ولا شهادة فيه تعلو على شهادة العبقري صلاح أحمد إبراهيم في أمثاله ممن أفاضوا على أهل السودان من ذاتهم وإبداعهم وفنهم ...أعمال الطيب كأعمال أمثاله من الطليعيين يستظهرها السودان وأهله في كلمات صلاح الراسخة الباقية في الناس ما بقي العطاء وما بقي الوفاء:

                      هذه أعمالُنا مرقومةُ ُ بالنورِ على ظهرِ مطايا
                      عبََرت دنيا لأخرى، تستبقْ
                      نفذ الرمل على أعمارنا إلا بقايا
                      تنتهي عُمراً فعُمرا
                      فهي ند يحترق

                      ما انحنتْ قاماتُنا من حِمْلِ أثقال الرزايا
                      فلنا في حَالكِ الأهوالِ مَسْرى وطُرُق
                      فإذا جاء الردى كََشّرََ وجهاً مُكْْفهراً
                      عارضاً فينا بسيفِ دمويّ ودَرََق
                      ومُصّرا
                      بيدٍ تحصُدنا
                      لم نُبدِ للموتِ ارتعاداً وفََرقْ
                      ...
                      نترك الدنيا ولنا ذِكرُ ُ وذكرى
                      من فِعالٍ وخلُق
                      ولنا إرثُ من الحكمة والحِلم وحُبِ الآخرين
                      وولاءُ حين يكذبُ أهليه الأمين
                      ولنا في خدمة الشعب عَرَق

                      ( صلاح احمد إبراهيم :نحن والردى)
                      حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                      Comment


                      • #12
                        رد: ماذا قالوا عنهم

                        كتب الأستاذ/ كمال الجزولى عن الراحل : عبدالهادى الصديق دارصليح
                        (1)
                        لطفولتنا مذاق بليل الفريك بالسَّمن البلديِّ، ومصابيح الشَّرافة تزدهي بألوانها المشعشعات على حوافِّ الألواح، تماماً كنساء جحا يزدهين بشلوخهنَّ المضيئات على صناديق الحلوى وجدران المقاهي، وسيف الحاوي الخضر يشطر ابنه الحسين إلى نصفين، ثمَّ ما يلبث أن يعيده كاملاً أمام أعيننا الواجفات وأنفاسنا المبهورة.
                        ولها، لطفولتنا، اضطرام المخايل البكرة في المساءات المنزليَّة، بأحاجي الفواطم السَّمحات، والفوارس الأشدَّاء، وصيحات الهنود الحمر تهبُّ مع برودة النَّسمات من نواحي برمبل والوطنيَّة. ولها احتدام أشواقنا النَّاهدة، طوال النَّهارات المدرسيَّة، لسباحة الظهيرة من بحر اب روف إلى بحر بيت المال إلى خور اب عنجة، فنعود بغبشة مفضوحة، وشهيَّة مفتوحة، حتى إذا غيَّمت العصاري، ونشَّرت عبقها الفوَّاح، ولبقها الرائق، انطلقنا، نحن زغب حواصل الاستقلال، وقتها، وبشريات باندونق، وأحزان توريت، وجلالات حلايب، ونداءات "المجدُ لمين"، و"يا بني السُّودان"، و"يا شباب كوريا"، و"أيها المبعوث فينا"، و"منقو قل لا عاش من يفصلنا"، نملأ سوح المدينة، وأسواقها، وأزقتها، من الرباطاب إلى الكباجاب، ومن المسالمة إلى المغاربة، ومن الموردة إلى العمدة، ومن ودنوباوي إلى اب كدوك، ومن حي العرب إلى حي الهجرة، ومن حفرة كولودو إلى حُفر ود دلوق، مهرجانات من البللي، والدافوري، وسجَّك بجَّك، وشليل وين راح، والتقافز المتعاكس نتبارى فيه من ترماج الاسكندراني الى ترماج ود العمدة، حتى إذا صرنا إلى نواحي السُّور انخرطنا في طراد لا يفتر لأقوام من الفراش، والكُدُندار، والجَّراد، كلٍّ في موسم لا يتأخر عنه ولا يتقدَّم، وأجناس شتى من طيور مزقـزقات ملونات، نصـطنع لهـنَّ، بكلِّ ما حـبانا الله من مهارة وحذق، أشكالاً من نبلان سديدات، وألواناً من حبائل لا تخيب.

                        (2)
                        على طقوس الانسجام اليوميَّة تلك شببنا، في بقعة الإمام عليه السَّلام، من مختلف القبائل والأحياء والمدارس، وقطعنا إلى بيوت بعضـنا البعض مشاوير التَّوادد العذبة بطول وعـرض هـذه "المـدينة فـي القـرى .. القـرية في المـدائن"، على قـول ود المـكي، فأدام الله المعروف، ومدَّ حباله إلى الأهل، وإلى أهل الأهل، بل وإلى جيران الأهل، تماماً كما في أيَّة قرية صغيرة وادعة! سوى أن مشوار التَّوادد بين بيوتنا، جهة السُّوق الكبير، وبين بيوت ناس دار صليح، نواحي البَحَر، كان له مذاق آخر!
                        في (ناس دار صليح) كان نديدنا الحبيب هُدهُد، وفي مهرجانات العصاري تلك تعارفنا، وتآلفنا، وتحالفنا. جمعتنا معهم مقاعد (بيت المال)، و(أب قرجة)، و(شيخ الطاهر)، و(النَّصر)، و(الأهليَّة)، و(الأميريَّة)، والبحث عن الكنز، وزيارتنا إلى ..، وحصص الفلاحة، والمدونة الطبيعيَّة، والجمعية الأدبيَّة، والمكتبة المدرسيَّة، ومباريات المنازل، والتنافس السَّاخن، والمنازلات المشهودة. نغبطهم، كنا، على (البَحَر)، و(اللبَخ)، و(تمر ابونا)، و(نذور جليس)، و(ميدان البحيرة)، و(غابة الحراز)، و(أكَمَات المِسْكِيت)؛ ويغبطوننا، كانوا، على (التراميج)، و(السينمات)، و(باسطة بيِّن)، و(دندرمة برعي المصري) و(الهلال والمريخ) .. في زقاق واحد!
                        يتباهون علينا، كانوا، بثلة عباقرتهم التي قد لا تبدأ بالطيب السَّراج، واسماعيل العتباني، وطه حمدتو، ومحجوب عثمان، ولا تنتهي بعز الدين يوسف (ثيرد باك) الشاطئ الحريف، وعازف العود الحاذق بأوركسترا الإذاعة، وحتى الأولاد المبشرين، وقتذاك، بشارة والدِّحيش وأخيه الأكبر كمال عثمان، وذلك في بعض امتداداتهم الجُّغرافيَّة من أوَّل بيت المـال، شــمالاً، إلـى آخـر (سـوق ام سويقو)، شرقاً، و(سوق الشجـرة) غــرباً؛ وكـنا، فـوق تباهـــينا بعـبد الله بك خليل، واحمد محمد صالح، والوسيلة، وعبد الخالق، واحمد حسن عبد المنعم، وعبد السَّلام ابو العلا، وحسن الظاهر، وبشير البكري، وأحمد بشير العبادي، وربَّما أزهري نفسه، نتباهى عليهم، أيضاً، سواء في (حفرتنا)، أو في بعض امتداداتها الجغرافيَّة، من (الرِّكابيَّة) و(العصاصير) إلى (السَّيِّد المكي) و(الشُّهداء)، بعلي المك، وحسن عوض أبو العلا، وإبراهيم حجازي، والسِّميح، والتَّقر، وعبده مصطفى، والطفل المعجزة كمال ترباس، يشجي غرارتنا، مطالع المساءات الحالمات، تحت أعمدة النور وفوق عتبات البيوت، وأرجلنا لمَّا تزل معفَّرة بغبار الدافوري الحار!
                        ثم اختلفنا الى ثانويات متباعدات، وجامعات شتَّى، وتخرَّجنا، من داخل ومن خارج البلاد، وكبرنا، وكبرت انشغالاتنا، وغفلاتنا عمَّا كانت الأيَّام تدسُّ لنا طيَّ كرِّ مسبحتها، فما جال بخواطرنا النَّديَّة، وقتها، بل ذهلنا، الذُّهول كله، عن أن السُّودان، الذي ما كنا نخاله سوى مرتع خضرة دائمة لصبا يانع لا يزول ولا يذوى، يمكن أن يخبِّئ لنا كل هذا (السُّكَّري)، و(ضغط الدَّم)، و(ضيق الشَّرايين)، والاندحار تحت سنابك الرَّكاكة، والكذب، والزَّيف، والإحباط، والحزن الكثيف، والأسى الممضِّ، وعدم المواتاة، والكدر السِّياسي والثقافي، ما يفضي بنا إلى مثل هذا الكمِّ المهول من موت الفجاءة، وعصف (الذَّبحات الصدريَّة)، و(السَّكتات القلبيَّة)، و(السَّكتات الدّماغيَّة)!
                        حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                        Comment


                        • #13
                          رد: ماذا قالوا عنهم

                          (3)
                          مساء الاثنين هاتفته. كنت فرغت للتَّو من تدقيق حلقة جديدة من كتابته الرَّائعة عن (قصيدة الجَّمال بين التجاني وتشايكوفسكي)، قبل أن أدفع بها إلى المطبعة، يوم كنت أشرف على إصدار (عدد الثلاثاء المتميِّز) من جريدة (الصَّحافة) أوان ميلادها الثاني في خواتيم تسعينات القرن الماضي. وعاتبته، أستغفر الله، على إخلافه وعده لي بمباشرة ذلك الأمر بنفسه، وألا يزيدني به رهقاً على رهقي، فقلت له، وقد كانت تلذُّ لي مشاغبته:
                          ــ "كيكي! إنت فاكر نفسك كافكا عشان أصحح ليك بروفاتك"؟!
                          ولم أنتبه، يا لله، لم أنتبه قط إلى أنه لم يطلق، كما عهدي به، ضحكته المجلجلة تلك التي يهتزُّ لها جسده الوافر كله، بل أجابني بحبال صوتيَّة غاية في الوهن:
                          ــ "لا، فاكر نفسي .."!
                          وذكـر اسـم أديـب كـان أسـتاذنـا المـجــذوب، عليه رحمة الله ورضوانه، كثيراً ما يتندَّر باجتهاداته غير الموفقة! أضحكني بقفشته، وشكرني برقته، واعتذر لي بمرضه عن عدم حضوره. فقلت له، وأستغفر الله:
                          ــ "أنت لست مريضاً، هذا مجرد إرهاق ناتج عن متابعتك في الآونة الأخيرة لتشطيبات البيت".
                          وكان قد أكمل للتوِّ بناء بيته، وتهيَّأ مع أسرته الصغيرة للرحيل إليه. وقلت له، واستغفر الله:
                          ــ "يبدو أننا استمرأنا التَّمارض والتَّنقُّل من عنقريب لآخر! إنهض يا رجل، واذهب لعملك، ولا تقلق عطور والبنيَّات"!
                          سعل خفيفا، وقال لي بصوت أكثر وهناً:
                          ــ "أبداً والله يا كمال .. شاعر فعلاً بأني عيان، تعال يا خي نتونس شويَّة، عندي ليك خبر مفاجأة"!
                          تمنيت له الشِّفاء، ووعدته بزيارته مساء غدٍ الثلاثاء، ولو كنت أعلم الغيب لطرت إليه، في لحظتي تلك، طيراناً!

                          (4)
                          كان عبد الهادي، أو (هُدهُد) أو (كيكي) كما كنا ندلعه في أوقات الصفاء، وما كان أكثرها، قد أبدى، ذات يوم من سبعينات القرن الماضي، نظراً ناقداً بجرأة لأدب ولغة وأسلوبيَّة أستاذنا الجَّـليل عـبد الله الطـيب، شفاه الله وعافاه، مِمَّا عدَّه المرحوم طه الكد تطاولاً على مقام (الهرم الأكبر) وكان لا يحتمل فيه (هبشة الريشة)، فانبرى يشاغب عبد الهادي ويكدره، بالمقابل، على لغته الحداثيَّة، بمقالة نشرتها صحيفة (الأيام) وقتذاك، وحكى فيها أن (كيكي) كان قد اصطنع لنفسه في بعض طفولته ـ حيث كان آل الكد وآل دار صليح جيرانا أحباباً في واو وأم درمان ـ سيَّارة وهميَّة جعل مقودها (صينيَّة) الطعام، يخطفها من مطبخ والدته الحاجـة فاطمة بنت عبد الله، ينطلق بها، لا يلوي على شئ، وهو لا يني يقلد بحنجرته ولسانه صوت المحرِّك، متنقلاً بين تروسه المختلفات، وكذا صوت البوق (جين.. جين.. كع.. تريت.. تيت)، أو نحو ذلك! كان واضحاً أن طه، وقد كانت له، في الزَّجر النَّقدي، صولات وجولات، يرمي للقول بان لغة عبد الهادي، بل ولغة أدباء الحداثة على بكرة أبيهم، هي، من يومها، لغة الـ (جين.. كع.. تيت)، لا يستثني منا أحداً! وعندما قرأ عبد الهادي المقالة أطلق واحدة من ضحكاته تلك المجلجلات، حتى دمعت عيناه الوديعتان، وراح يروي لنا بمرح صخَّاب، وكأنه يحتفي بتبكيت طه له، أن والده المرحوم احمد أفندي صدِّيق دار صليح كان على علاقة صداقة حميمة مع والد كل من طه وخالد، المرحوم حسين افندي احمد عثمان (الكد)، وكلاهما خرِّيج الكليَّة القديمة، وقد عملا محاسبين بالحكومة، وتزاملا وتجاورا، بأسرتيهما، في مدينة واو، حيث أسَّسا معاً أوَّل مدرسة أوليَّة، وكانا يتبادلان بعض مؤلفات الفابيين البريطانيين Fabians، على غرار ما كان يفعل عموم الأبروفيين؛ وكان، حين يبعثه والده بكتاب إلى حسين أفندي، يضعه تحت إبطه، ويخطف الصِّينيَّة من المطبخ ليقصِّر مشواره إلى بيت آل الكد بسيارته تلك!
                          هكذا لم يفُت على هُدهُد الشَّفَّاف، رشيق المزاج، رقيق الحاشية، أن يلتقط ما في مقالة طه من طرافة الأدب، وما في مشاغبته من حسن الطويَّة، فيحسن الظن به، كونه كان ذا حسٍّ عال في الفكاهة، وذائقة رفيعة في الإخوانيَّات.
                          وشبيهة بهذه الطرفة الحكاية الأخرى التي رواها لي المرحوم خالد الكد، ضحى يوم شتائي، وكنا نجالس الحاجَّة فاطمة، برفقة هُدهُد، نحتسي قهوتها الظريفة في صحن دارها، قال يخاطبني وهو يغمز متخابثاً:
                          ــ "عارف يا كمال لغة الحداثة دي أحياناً بتسبب خسائر!
                          قلت:
                          ــ "كيف"؟!
                          قال:
                          ــ "أهو عندك هُدهُد دا مثلاً، مرَّة، وأنا ضابط في الجَّنوب، وكانت تجارة الحدود مزدهرة مع يوغندا وكينيا وزائير، رسَّل لي جواب، كلام الطير في الباقير، أتذكر منه: القطط العمياء تموت في مقاهي المدينة .. ومش عارف إيه! طبعاً قريت الجَّواب وختيتو. وبعد فترة جيت الخرطوم، فإذا بهُدهُد زعلان .. قال إيه؟! ما رسلت الفنيلة ليه؟! فنيلة شنو يا كيكي؟! قال: فنيلة الصقط! ومتين انت طلبت مني فنيلة صقط! قال لي: كييييييف؟! أنا ما رسلت ليك جواب؟! قلت ليهو: أوعى يكون ده بتاع القطط العمياء! قال: والقطط العمياء دي الكتلها في مقاهي المدينة شنو غير الصقط"؟!
                          وانفجرنا أجمعنا، بما فينا الحاجَّة فاطمة عليها رحمة الله، بضحك صخَّاب، وكان أكثرنا مرحاً كيكي نفسه.
                          حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                          Comment


                          • #14
                            رد: ماذا قالوا عنهم

                            (5)
                            وكان يحبُّ كثيراً شوقي عزّ الدِّين، ومبارك بشير، ومحجوب شريف، ومحجوب عبَّاس، والطيِّب محمَّد الطيِّب، وعلي عبد القيُّوم، وعيسى الحلو، وعبد القدُّوس، وشابو، وابو ذكرى، وود المكِّي، والياس، وحردلو، وعركي، وكابلي، ووردي، والدُّوش، وود الرَّيَّح، وعلي المك، وهشـام الفـيل، ومحمــود تمــيم، وجعفـر ميرغـني، وعـبد الله علي إبراهيم، وكمال بخيت، وطلحة الشَّفيع، وأولاد الحلة: فريد الطيب وأشقَّاءه، والدِّحيش الذي تزوج بشقيقته الصغرى ثريا، فقدَّر الله أن تصبح، خلال أيام المأتم، جدَّة لطفل جميل أسموه عبد الهادي، وسوف نناديه أيضاً، إن مدَّ الله في أيامنا، (هُدهُد) و(كيكي).
                            أما مهدي بشرى فقد كان خدن روحه، ومن أحب الناس إلى نفسه، ما اجتمعنا في أيِّما مكان إلا وانخرطا في مشاغبات ومكايدات تكاد لا تنتهي، فإن لم يفعلا دققنا بينهما عطر منشم ليفعلا! قال لنا هُدهُد مرَّة: "إنتو قايلين مهدي ده بقى أديب كيف؟ دخل الجامعة فوجدنا أدباء فأصبح أديباً معنا! وكان حبل المودة موصولاً، أيضاً، بينه وبين صديقنا الدِّبلوماسي اللامع الأمين بشرى، بهار المجالس، وريحانة الأنس، وشقيق مهدي الأكبر، وكذا بينه وبين أحبة في الخارجية سعدنا بمعرفتهم في رحاب كرمه الفياض، وفي رأسهم تلك الكوكبة النادرة التي عجلت بالرحـيل ولمـا تبلـغ، بعـد، مُعـترك المنايا: يوســف مخــتار وعبد الله جـبارة وعمـر شـونة وأخـيار كثر.

                            (6)
                            واعلم، فداك نفسي، أن فريق "الرَّبيع" كان خليطاً من أولاد بيت المال والسور والملازمين، وأن هُدهُد كان، في زمانه، هدَّافه السَّريع، المباغت، البارع في التَّسجيل من الضَّربات الرُّكنيَّة، وكان ذلك أمراً عجباً، يثير الخيال، ويشعل الحماس. فازوا، في تلك الأيَّام، بكأس رابطة القلعة دورتين متتاليتين بلا هزيمة أو حتَّى تعادل. وأحرز هُدهُد، وحده، أربعين هدفاً بوَّأته منصب هدَّاف الرَّابطة. وبذكر ذلك، ومثله، سار المخضرمون من منظمي ومؤرخي الروابط والدافوري في البقعة المباركة إلى يوم النَّاس هذا. وأعجب كيف أنه لم يلعب بين المردة والأساطين، ولماذا لم تكتمل إجراءات تسجيله، وقد بدأت بالفعل، لـ "النيل" أو "الزهرة"، بل وأعجب كيف شغلنا عن سؤاله الأنسُ بـ "الشِّعر"، و"الفونج"، و"اتِّحاد الكتَّاب"، وأصل "التُّم تُم"!
                            حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                            Comment


                            • #15
                              رد: ماذا قالوا عنهم

                              [FONT="Courier New"](7)
                              أما شيخنا وحبيبنا الرَّاحل محمد المهدي المجذوب فقد وضع عبد الهادي في بؤبؤ عينيه، بادله مودة عميقة رائقة، وأجازه على مراقي المجد يوم أسماه "صاحب الإمارة والسِّفارة"، كناية عن حذقه الأدب والدِّبلوماسيَّة معاً، وصدق، فلعبد الهادي حين يجدُّ الجِدُّ، مجالدات مشهودة مع أمَّهات المراجع، ومخاضات غير منكورة في بطون الخزائن الجِّياد؛ بحَّاثة، كان، بصبر أيوب، وعِثَّة كتب bookworm، على قول الفرنجة، وناقداً صيرفيَّاً نبيهاً، ومدققاً مبدعاً، سواء تمكَّث أو لمح.
                              كان عبد الهادي من سنخ أولئك (المبدعين التلامذة) الذين لم نعد نرى نظائر لهم الآن! أجرى حفريَّاته في (أصول الشِّعر السُّوداني)، وهو لمَّا يزل، بعد، طالباً بكليَّة الآداب بجامعة الخرطوم. ثم تواتر رفده للمكتبة السُّودانيَّة (نقوشاً على قبر الخليل)، وتأمُّلات في عناصر الوحدة والتنوُّع في ثقافات (الحزام السُّوداني)، وغير ذلك مئات المقالات والبحوث المتفرقة. وكانت له انتباهته السَّديدة لخطورة جهازي الراديو والتلفزيون، وقدرتهما الفذَّة على مدِّ جسور تواصل لا مثيل لها بين المثقف المنتج وبين الجمهور، في بلد تتفشَّى فيه الأميَّة، فنثر من خلالهما إبداعاته، وأجاد. ولا تزال ثمَّة مخطوطات تنتظر همَّة الناشرين مِمَّا أثمر على أيَّام سفارته في (بانقي) عاصمة أفريقيا الوسطى.
                              وكانت لعبد الهادي بصمة عميقة حيثما حلَّ، فإليه يعود الفضل في إتاحة الفرصة للموهوبين من الموسيقيين والمسرحيين للتأهيل في المعهد العالي، وقد كان من مؤسِّسيه الأوائل، حيث استبعد اقتصار القبول فيه على نتائج الشهادة السُّودانيَّة. وزاملته في اللجنة التَّنفيذيَّة لاتِّحاد الكتَّاب، أوان ميلاده الأوَّل، حين كان أميناً مساعداً لشئونه الخارجيَّة، فأزهرت على يديه علائق لنا مع اتِّحادات الكتَّاب والأدباء في اليمن، والجزائر، وتونس، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، والإمارات، وموريتانيا، والاتحاد السوفيتي، وارتفع لنا ذكر في أروقة رابطة كتاب آسيا وأفريقيا، كما أسهمنا في تأسيس اتِّحاد الكتَّاب الأفارقة، بل ودرجنا في نسيج المنظمات غير الحكوميَّة NGOs المعتمدة تحت مظلة الأمم المتَّحدة.

                              (8)
                              في الواحدة إلا خمس دقائق بعد ظهر الثلاثاء رنَّ جرس الهاتف في مكتبي. أبلغتني عبير بأن كمال بخيت على الطرف الآخر. رفعت السَّماعة. ثانيتان .. وسقطت من يدي. صرخت .. ركضتُ .. تعثَّرت على الدَّرج، بضع دقائق أخرى وإذا بي جالس إليه. مسجَّى، كان، على عنقريبه داخل صالونه المغلق. مغطى بثوبه الخفيف. كشفت وجهه. نفس الهدوء، نفس الوسامة الملوكيَّة، نفس الإهاب السَّمح، حتى لقد بدا، للوهلة الأولى، مستغرقاً في سبات ثقيل. لكن ولولات الفجيعة في الخارج ما فتئت تخترق جمجمتي، تفتتها، وتردُّني لإحساس عظيم بالفقد يرسب في أعماقي، يسحقني، ويمحقني، ولا ينفكُّ يدوي دويَّاً هائلاً بأن عالماً بأكمله ينهار، في تلك اللحظات، ويتداعى أشلاء متناثرة.

                              (9)
                              اللهمَّ إنَّا لا نزكِّي عبد الهادي لديك، ولكنَّا نشهد، فحسب، بأنه كان من أنفع النَّاس للنَّاس، فقد كان من أحدِّهم ذكاء، وأوسعهم معرفة، وأغزرهم علماً، وأطرفهم إبداعاً، وأوفرهم إنتاجاً، وأعفِّهم لساناً، وأزكاهم فؤاداً، وأطيبهم معشراً، وأصدقهم لهجة، وأقلهم خلافاً، وأندرهم نفوراً، وأكثرهم كرماً، وأعطرهم سيرة، وأنقاهم سريرة، ونشهد، وقد أضحى يا ربُّ في رحابك، بأنه كان ليِّن العريكة في شمم، ميمون النقيبة في إباء، وكان حمولاً للنازلات، صبوراً على المكاره، عُركة للأذى بجنبه، أخا أخوان، تهفو نفسه إلى المعالي، وتنهد للمكرمات، وتعفُّ عن الدَّنايا، وتتجافى عن الرذائل. ونشهد اللهم، والدِّين المعاملة، بأن أفئدة العارفين فضله قد هوت إليه، ولطالما شرحها منظره، وأبهجها مخبره، وراقها مظهره، وآنسها محضره، فهشَّت لإطلالته، واستوحشت من غيابه، فكيف بالغياب الذي لا عودة منه، ياربُّ، وبالفقد الذي لا أمل في لقاء بعده؟!
                              اللهم إن عبد الهادي لم يهُن إلا عليك، وإنا لنسالك، ونحن نتقلب في دخنة الحمأ المسنون، أن تغفر له، وتشمله برحمتك، وتلهمنا من بعده الصبر الجميل، يا ربُّ، وتلحقنا به في زمرة الصِّديقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقاً، إنا لله وإنا إليه راجعون.
                              [/FONT]
                              حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                              Comment

                              Working...
                              X