إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

جريدتنا

Collapse
X
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • تسلم يا ثقافة ، كثر الطلة

    حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

    Comment


    • كتب : ياسر سليم
      قصه:ما بين لذيذ وطلمبة في شارع عبيد ختم وكلية الطب
      نادم أنا شديد الندم بأني لم أحكي هذه القصة من قبل، لكن الحمد لله ذكرتني إياها رحاب أحمد عمر يعقوب التي أحرزت المركز الأول في شهادة مرحلة الأساس بولاية كسلا، لا أريد أن أطيل في المقدمات سوف أحكي القصة مجردة
      كنا يوماً ما نتعشى في مطعم لذيذ بالعمارات شارع (1) وبصحبة أخواني المرحوم عز الدين خضر وأسامة الجعفري فأتتني بنت صغيرة في الصف الثالث (أساس) تحمل دببة صغيرة تعلق في زجاج السيارات للزينة فقالت لي: أشتري مني دب لعربيتك وقبل أن أسأل عن السعر قالت لي ثمنه خمسة جنيه لكني بجاملك وبديك ليه بأربعة اتفقنا أن نشتري منها 3 قطع بشرط أن ندفع للقطعة الواحدة 10 جنيه ورغم فرحها ردت علي أخي عزالدين خضر عليه رحمة الله (لا، لا أنا ببيع ما بشحد) فرد المرحوم بلباقة نحن حندفع عشرة لأن الدب بستاهل عشرة جنيه، فرضيت ودار بيني وبينها الحوار التالي:
      أسمك منو؟
      أسمي فلانة
      ساكنة وين؟
      الثورة الحارة 15
      بترجعي كم؟
      الساعة 11 - 12
      بترجعي كيف ومع منو؟
      برجع مع أختي وكداري لحدي العربي وبنركب حافلات الشنقيطي
      وأختك وين؟
      هنالك قاعدة جنب الدكان داك بتذاكر لأن بكرة عندها امتحان
      أنت في المدرسة؟
      ايوة أنا في سنة ثالثة وأختي في سادسة
      ما صعب تشتغلوا بالليل وتقروا بالنهار؟
      أحسن من نبقى شحادين
      ولقد صادفتها كثيراً جداً في لذيذ، وكل ما اشتري منها دب تضحك وتقول لي أنت داير تربيهم، وأشهد الله أنها كانت في غاية البراءة والجمال رغم البؤس والتعب الذي يبدوا عليهن ولما أسألهن عقب كل امتحان كانت إجابتهن (جيت الأولى على الفصل) وعندما انقطعت عنهن لأسباب لا أعلمها كانت واحدة في سنة خامسة والأخرى في سنة ثامنة.
      وفي يوم ما وبعد سنين عدة وكنت قد تزوجت وأنجبت أبنتي سارة كنت مع أخي احمد حمزة في شارع عبيد ختم وأراد أحمد أن يزود سيارته بالوقود وبعد أن خرجنا من محطة الوقود (الطلمبة) لمحتها فطلبت من أحمد الوقوف، عندما. رأتني ركضت نحوي ووسط دهشة أخي احمد حمزة بادرتني أتذكرتني يا أستاذ ياسر رديت سريعاً ايوة يا فلانة، أنت لسع بتبيعي الدببة ضحكت وردت يا زول وين بقيت أبيع المناديل ومعطر السيارات وووو
      أها والمدرسة واصلتي. ردت بسرعة ايوة أنا في سنة رابعة طب الخرطوم، يا سلام أها وأختك؟؟ أختي برضو أتخرجت من طب الخرطوم واسع في مستشفى بحري التعليمي يعني خلتك براك في التجارة ضحكت وقالت ويييين يا أستاذ ياسر،، نحن بدري علينا لسع عندنا أختين في المدارس.
      ودعتها والعبرة تخنقني ولم تنتهي دهشة أخي أحمد حتى بعد أن قصصت عليه قصتها.
      حتماً هي سوف تكون الآن طبيبة ملء السمع والشوف، وأتوقع أن تكون ماهرة، فالإنسان الذي يصنع قدره بعرق جبينه، لن يتنازل عـن كمال هذا القدر.
      أنا متأكد أن بطلة هذه القصة تذهب يومياً إلى سريرها مرتاحة الضمير وتنوم ملء جفونها
      - هل طفرت دمعتان على وجنتيك؟؟؟

      حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

      Comment


      • كتب : ياسر سليم
        قصه:ما بين لذيذ وطلمبة في شارع عبيد ختم وكلية الطب
        نادم أنا شديد الندم بأني لم أحكي هذه القصة من قبل، لكن الحمد لله ذكرتني إياها رحاب أحمد عمر يعقوب التي أحرزت المركز الأول في شهادة مرحلة الأساس بولاية كسلا، لا أريد أن أطيل في المقدمات سوف أحكي القصة مجردة
        كنا يوماً ما نتعشى في مطعم لذيذ بالعمارات شارع (1) وبصحبة أخواني المرحوم عز الدين خضر وأسامة الجعفري فأتتني بنت صغيرة في الصف الثالث (أساس) تحمل دببة صغيرة تعلق في زجاج السيارات للزينة فقالت لي: أشتري مني دب لعربيتك وقبل أن أسأل عن السعر قالت لي ثمنه خمسة جنيه لكني بجاملك وبديك ليه بأربعة اتفقنا أن نشتري منها 3 قطع بشرط أن ندفع للقطعة الواحدة 10 جنيه ورغم فرحها ردت علي أخي عزالدين خضر عليه رحمة الله (لا، لا أنا ببيع ما بشحد) فرد المرحوم بلباقة نحن حندفع عشرة لأن الدب بستاهل عشرة جنيه، فرضيت ودار بيني وبينها الحوار التالي:
        أسمك منو؟
        أسمي فلانة
        ساكنة وين؟
        الثورة الحارة 15
        بترجعي كم؟
        الساعة 11 - 12
        بترجعي كيف ومع منو؟
        برجع مع أختي وكداري لحدي العربي وبنركب حافلات الشنقيطي
        وأختك وين؟
        هنالك قاعدة جنب الدكان داك بتذاكر لأن بكرة عندها امتحان
        أنت في المدرسة؟
        ايوة أنا في سنة ثالثة وأختي في سادسة
        ما صعب تشتغلوا بالليل وتقروا بالنهار؟
        أحسن من نبقى شحادين
        ولقد صادفتها كثيراً جداً في لذيذ، وكل ما اشتري منها دب تضحك وتقول لي أنت داير تربيهم، وأشهد الله أنها كانت في غاية البراءة والجمال رغم البؤس والتعب الذي يبدوا عليهن ولما أسألهن عقب كل امتحان كانت إجابتهن (جيت الأولى على الفصل) وعندما انقطعت عنهن لأسباب لا أعلمها كانت واحدة في سنة خامسة والأخرى في سنة ثامنة.
        وفي يوم ما وبعد سنين عدة وكنت قد تزوجت وأنجبت أبنتي سارة كنت مع أخي احمد حمزة في شارع عبيد ختم وأراد أحمد أن يزود سيارته بالوقود وبعد أن خرجنا من محطة الوقود (الطلمبة) لمحتها فطلبت من أحمد الوقوف، عندما. رأتني ركضت نحوي ووسط دهشة أخي احمد حمزة بادرتني أتذكرتني يا أستاذ ياسر رديت سريعاً ايوة يا فلانة، أنت لسع بتبيعي الدببة ضحكت وردت يا زول وين بقيت أبيع المناديل ومعطر السيارات وووو
        أها والمدرسة واصلتي. ردت بسرعة ايوة أنا في سنة رابعة طب الخرطوم، يا سلام أها وأختك؟؟ أختي برضو أتخرجت من طب الخرطوم واسع في مستشفى بحري التعليمي يعني خلتك براك في التجارة ضحكت وقالت ويييين يا أستاذ ياسر،، نحن بدري علينا لسع عندنا أختين في المدارس.
        ودعتها والعبرة تخنقني ولم تنتهي دهشة أخي أحمد حتى بعد أن قصصت عليه قصتها.
        حتماً هي سوف تكون الآن طبيبة ملء السمع والشوف، وأتوقع أن تكون ماهرة، فالإنسان الذي يصنع قدره بعرق جبينه، لن يتنازل عـن كمال هذا القدر.
        أنا متأكد أن بطلة هذه القصة تذهب يومياً إلى سريرها مرتاحة الضمير وتنوم ملء جفونها
        - هل طفرت دمعتان على وجنتيك؟؟؟
        حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

        Comment


        • مقال الطيب صالح -طيب الله ثراه- عن رمضان
          لا أظن أحداً ينسى الأماكن التي صام فيها ، وهل كان الفصل صيفاً أم شتاء . وبماذا أفطر ومع من أفطر.
          وهو قد ينسى بقية أيام العام باستثناء أيام قليلة تباغته فيها الحياة ، كما تفعل بإحدى مفاجآتها السارة أو المحزنة .
          الأيام العادية تمضي تباعاً طوال العام .لا يكاد الإنسان يحس بمرورها . كأن الزمن نهر سرمدي.
          ولكن يوم الصائم – وهذه عندي من حكم الصوم- يتفلت قطرة قطرة الدقائق تمر كأنك تسمع وقع خطاها .
          الصائم يحس بالزمن لأول مرة خلال العام أنه (كم) يمكن أن يوزن بميزان ويقاس بمقياس .
          يختلط جوعه وظمأه - خاصة إذا كان الوقت صيفاً حاراً - مع كل دقيقة تمر. يكونان عجينة من المكابدة والسعادة .
          فإذا انقضى اليوم ، يحس الصائم أنه قد قطع شوطاً مهماً في رحلة حياته . وإذا انقضى الشهر بطوله ، يشعر حقاً أنه يودع ضيفاً عزيزاً طيب الصحبة، ولكنه عسير المراس .
          إنني أذكر بوضوح رمضانات صمتها عند أهلي في صباي الباكر ، أول عهدي بالصيام .
          كنا قبيلة أفرادها كلهم أحياء : الجدود والآباء والأعمام والأخوال وأبناء العمومة والخؤولة.
          لم يكن الدهر قد بدأ بعد يقضم من جسمها كما يقضم الفأر من كسرة الخبز.
          كـانت دورنا تقوم على هيئة مربع ، وفي الوسط باحة واسعة فيها رقعة رملية . كنا نجتمع للإفطار في تلك الرقعة .
          نتولى نحن الصبية أمر تنظيفها وفرش الحصر عليها ، وقبيل المغيب نجئ بسفر الطعام من البيوت، ونجلس مع كبارنا ننتظر تلك اللحظة الرائعة حين يؤذن مؤذن البلدة – غير بعيد منا- ( الله أكبر) معلناً نهاية اليوم .
          وكنت في تلك الأيام قبل - أن يقسو القلب ويتبلد الشعور - أحس أن ذلك النداء موجه لي وحدي ، كأنه يبلغني تحية من آفاق عليا ، إنني انتصرت على نفسي.
          أذكر جيداً طعم التمر الرطب ، وهو أول ما نفطر به ، حين يوافق رمضان موسم طلوع الرطب . وكانت لنا نخلات نميزها ونعني بها ، لها ثمر شديد الحلاوة ، تخرجه باكراً .
          كانوا لا يبيعون ثمارها. ولكنهم يدخرونه لمثل تلك المواسم . وقد زرعت أصلاً من أجل ذلك .
          وأذكر مذاق الماء الذي يصفى ويبرد في الأزيار أو في القرب ، خاصة ماء القرب ، الذي يخالطه شيء من طعم الجلد المدبوغ .
          وشراب ( الابري) وهو يصنع من خبز يكون رقيقاً جداً : أرق من الورق . تضاف إليه توابل ، وينقع في الماء ويحلى بالسكر .
          ومذاق ( الحلو مر ) وهو أيضاً من عجين مخلوط بتوابل خاصة . وحين ينقع في الماء يكون ذا لون أحمر داكن الحمرة .
          هذان الشرابان لا يوجدان إلا في السـودان ، وهما مرتبطان برمضان . ولهما رائحة عبقة فواحة.
          تلك وروائح أخرى ، كان خيالي الصبي يصورها في ذلك الزمان ، كأنها تأتي من المصدر الغامض نفسه الذي يأتي منه شهر رمضان .
          كان طعم الزمان في تلك الأيام حلواً مخلوطاً بمرارة لها مذاق العسل .
          لم نكن نأكل كثيراً في إفطارنا . لا توجد لحوم أو أشياء مطبوخة ، كل واحد يتعشى بعد ذلك في داره على هواه ، وغالباً ما ينتظر السحور من دون عشاء .
          نصلي ونفطر على مهل ،ونقوم نحن الصبية فنحضر الشاي والقهوة ( الجبنة)
          وكان يسمح لنا بشرب القهوة فقط في شهر رمضان ، فالقهوة عدا ذلك للكبار وحدهم .
          ولم يكن ذلك نوعاً من الحظر ، ولكن من قبيل الاقتصاد في النفقة ، فقد كان البن أغلى من الشاي.
          يساوونا بأنفسهم لأننا نصوم مثلهم.ثم يأخذون في الحديث ونحن نسمع ولا نتكلم ، ويا له من حديث ، كان رمضان يخرج منهم كنوزاً دفينة . كنت أستمع إليهم وكأني أشرب ماء القرب البارد وآكل التمر الرطب.
          لا أعلم كم كان (معدل الدخل) عندنا تلك الأيام . ولم أكن أعلم شيئاً عن الحالة الاقتصادية في القطر .
          ولم يكن يهمني من الذي يحكم البلد . كنت أعلم أن الإنجليز موجودون في الخرطوم ، وأحياناً يمر بنا واحد منهم ، كما يمر طائر غريب في السماء.
          لكننا كنا بمعزل عن كل ذلك ،نحس بالعزة والمنعة والطمأنينة والثراء.
          كنـت أعلم أن ذلك الإحساس حق ، من الطريقة التي يمشي بها آبائي وأجدادي .
          لا يمشون مختالين ، ولكنهم يمشون على وجه الأرض ثابتي الخطى مرفوعي الرؤوس ، لا يخامرهم شك أن الأرض أرضهم والزمان زمانهم.
          ولعـل الإنجليز خرجوا آخر الأمر لأنهم ضاقـوا بإحساس الحرية ذاك لدى السودانيين ، كأنهم لم يفهموا ، أو رفضوا أن يفهموا أنهم أمة مهزومة مستعمرة.
          الإحساس بالمذلة والهوان حدث لهم بعد ذلك.
          على أيدي بعض أبنائهم الذين انتزعوا الحكم من الذين ورثوه عن الإنجليز ، ومنهم من كان صبياً مثلي في ذلك الزمان الأغـر ، وجلس على بقعة رمل كما جلست ، مع آبائه وأجداده في إفطار شهر رمضان.
          كنا حقاً سواسية كأسـنان المشط . ولا بد أنه ذاق المذاقات نفسها وشم الروائح نفسها ، واستمع مثلي إلى أحاديث آبائه وأجداده ، حديثاً مليئاً بالمحبة والحكمة والطمأنينة .
          فماذا أصابنا بعد ذلك ، أم ماذا أصاب الزمان؟
          حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

          Comment


          • كنتُ سأفرح بتكريمكم.. لكن فقط أطلب منكم أن تفسحوا لي طريقا لأخرج من هذه القاعة التي خنقتني

            تداول أخيراً نشطاء موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، على نطاق واسع، كلمة معلمٍ مغربي، بعدما ألقاها في حفل تكريمه من قبل أسرة التعليم المتكونة من أستاذة ومعلمين وأطر تربوية ومسؤلين بمديرية النيابة الإقليمية لوزارة التربية الوطنية التي ينتسب إليها.

            إليكم نصّ رسالة المعلم عبد المجيد:
            📌حضرات السادة والسيدات،

            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
            يشرفني كثيرا أن أحظى اليوم بشرف هذا الجمع المبارك حولي، الذي باستثناء اليوم الذي صدمتني فيه سيارة لم أعرف سائقها، وأنا أمتطي دراجتي الهوائية متجها فيه إلى المدرسة التي أشتغل فيها معلما، لم أكن موضوع تجمهر قبله ولا بعد، ولا بأس اليوم من شكر اﻷكاديمية والنيابة التي تواضعت أخيرا، لتنصت إلى هذا الشخص الذي لا تعتبره سوى اسم من أسماء النكرة، أو رقما من أرقام التأجير التي تشتغل في دوائر نفوذها، فشكرا إذن للسيد مدير المديرية اﻹقليمية الذي لا أعتقد أنه اﻵن بين هذا الحضور..

            ضدا على كل العبارات البيروقراطية، والبروتوكولات، ألتمس منكم اﻹصغاء إلي ومنحي بعضا من وقتكم الثمين لموظف يعيش آخر ساعات انتسابه لوزارتكم الموقرة..

            أنا عبد المجيد (...)، البالغ من العمر 63 سنة، والمتزوج اﻷب لأربعة أطفال من أبناء هذا الوطن، والحامل لرقم التأجير (...)، أصرح، وأنا ببعض قواي العقلية، التي احتفظت بها قسرا سنوات خدمتي الفعلية الطويلة داخل الفصل، أنني أرفض هذا التكريم الذي تفضلتم وتكرمتم بإقامته لشخصي..

            نعم، لست في حاجة أيها السادة إلى تصفيقاتكم، وأنتم تحتجزونني هذا المساء داخل هذه القاعة كبهلوان عجوز، تعلقون على صدره أوسمة رخيصة، وتغدقون عليه بكلمات معلبة معدة بشكل رتيب، لكل مناسبة تسكتون بها موظفيكم كلما حان أجل أحدهم ليسلمكم مفاتيح فصله، ويستدير إلى ما تبقى من عمره متواريا عن أنظاركم إلى اﻷبد..

            لا أيها الكرام..
            هل غاب عن ذهنكم أن هذا الجسد الضامر المتهالك، تسكنه روح يعيش بها، وذاكرة طالما اختزنت ويلات النضال، وظلمات الشقاء والبؤس الذي أرادته لنا وزارتكم؟

            كنت سأفرح بتكريمكم لي، يوم وصلت على ظهر حمار الجبل الذي تعتليه الفرعية التي عينت بها ذات ليلة من ليالي السبعينات الباردة، فلم أجد سكنا أقطن به، ﻷلوذ بمسجد أياما أبيت فيه قبل أن يحتضني بعض سكان القرية بكرمهم..

            كنت سأفرح بتكريمكم لي، وأنا أشتغل سنتين بدون راتب، في انتظار اﻷجرة، حتى اشتكاني البقال إلى مخفر الدرك لكثرة ديوني..

            كنت سأفرح بتكريمكم لي، وأنتم ترسلون إلي مديرا، يجتهد فقط بتبليغكم أيام عجزي ومرضي، وموافاتي بالاستفسارات، وإحصاء كل كبيرة وصغيرة علي، دون أن يمدني يوما بتنويه أو تشجيع لقاء كدي وجدي في سبيل تحصيل التلاميذ..

            كنت سأفرح بتكريمكم، يوم لذغتني عقرب، وأنا تحت سقف مهترئ قرب الفرعية، أستجلب النوم واﻷحلام البسيطة، ﻷنسى بها الواقع الذي شكلتموه لي..

            كنت سأفرح بتكريمكم، يوم انقطعت عني اﻷجرة سنة ونصف، إثر خطإ جناه علي المدير، جراء تقاعسه في إرسال مراسلة، كلفتني إرسال زوجتي لتشتغل خادمة ببيوت المدينة، حتى نجد ما نقتات به نحن وأبناؤنا..

            كنت سأفرح بتكريمكم، وأنت تبعثون إلي مفتشا ببذلة وربطة عنق أنيقة، ليسخر من أحوالي، وليحاسبني على تطبيق مستجدات التدريس، داخل فصل طاولاته من مخلفات الاستعمار، وحيطانه آيلة للتهاوي على رأسي ورؤوس تلاميذي..

            كنت سأفرح بتكريمكم، ذات ليلة كانت ستقضي علي فيه شمعة داخل مسكني، بعدما شبت ألسنة اللهب في أغطيتي وملاءاتي الحقيرة..

            كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أدرس خمسين تلميذا داخل فصل واحد، بدعوى الخصاص وما إلى ذلك مما تجتهدون فيه للرد على مطالبنا ومطالب الشعب..

            كنت سأفرح بتكريمكم، يوم سقطت فيه مغمى علي، إثر مرض مزمن، بعدما ضاق السيد النائب بمراسلاتي المرفقة بملف طبي مصادق عليه من قبل وزارة الصحة..

            كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أشارك كل سنة، بعد عقود قضيتها مرابطا بجبال سوس القاسية، في الحركة الوطنية قصد الاقتراب من مستشفى بالمدينة، يحتضن سقمي وعلتي..

            كنت سأفرح بتكريمكم، ولوائح الترقية تطالعني كل سنة بجدول خال من اسمي..

            كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أشغل جميع الحرف داخل قسمي، تارة حلاقا يحلق رؤوس تلاميذي، وتارة منظفا أجمع فضلاتهم وقمامات الساحة، وتارة بناء أو صباغا أعتلي السلالم لمناشدة جدران المدرسة حتى لا تباغتني يوما وأنا أشتغل بينها..

            نعم، أيها المحترمون..
            كنت سأفرح بهذا التكريم، خلال تلك السنوات المديدة المريرة التي خلفت ما خلفت على تجاعيد وجهي وعظام جسدي وأكوام مكدسة من اﻷحزان داخل صدري المنهك بالربو والسعال اﻵن.. ولم يكن يزيدني إصرارا وتمسكا بالحياة، غير شرطي يستوقفني بالطريق مذكرا إياي أنه كان ذات يوم أحد تلاميذي، أو ممرضة لم تنس جهدي معها وهي تلميذة، أو...

            لكل هذه اﻷسباب أيها السادة، أعتذر عن قبولي هذا التكريم هذه الليلة، وأطلب منكم فقط أن تفسحوا لي طريقا ﻷخرج من هذه القاعة التي خنقتني - أنا المعاق ذا العكازين- وأنصرف إلى حال سبيلي، مستسمحكم عذرا على اﻷخذ من وقتكم لسماع أساطير شيخ في أراذل عمره..

            والسلام عليكم ورحمة اللـه
            حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

            Comment


            • أمة كاملة!

              * فيها الأزهري وعبد الله خليل وعبد الخالق محجوب ومبارك زروق وشيخ علي عبد الرحمن وكمال ترباس ومحمد ميرغني والأمين برهان وكرومة وبرعي أحمد البشير وحسن أبو العلا وأحمد محمد صالح والممثل إبراهيم حجازي وإبراهيم خان ودار الجبهة المعادية للاستعمار ومؤسس مقابر البكري ومؤسس فريق الهلال وبت المك أشهر صانعات الكوارع والطعمية!.

              حسن الجزولي

              بقلب مدينة أم درمان، تتمدد خارطة جغرافية شديدة التداخل، يطلق عليها أهل أم درمان حي "كرش الفيل"!. كما أنها شديدة التميز أيضاً، كون أن بعض سكانها المتميزين هم ضمن المجموعات السكانية القاطنة في تلك المنطقة، كأعلام مجتمع لعبوا دوراً ريادياً في حياة السودان ومجتمع مدينة أم درمان في شتى المجالات.

              فمن طرف سوق أم درمان غرباً مروراً باستديو الوادي الشهير ودكان عبد الكريم العجلاتي وكشة الترام عند مربوع العصاصير بين مكي ود عروسة والمحطة الوسطى. وبرعي المصري وكهربة عامر فوراوي حتى دكان مكي ود عروسة الشهير، حتى مسجد ود أرو شرقاً في شارع أبروف، ومن طرف مستشفى العيون شرقاً حتى منتصف شارع الدكاترة جنوباً، يكًون هذا المربع الواسع، الحيز الجغرافي الذي يتمدد فيه حي كرش الفيل الذي يضم مجموعة أحياء، كالركابية والسيد المكي العتيقين اللذين يتوسطا مدينة أم درمان القديمة منذ نشأتها كعاصمة وطنية في القرن قبل الماضي، إضافة لأحياء أخرى نشير إليها لاحقاً.

              وبحكم تقسيم أم درمان ومنذ القدم إلى أرباع وحارات. فإن حي كرش الفيل يقع شرق سوق أم درمان، هو مربوع "اتنين اتنين" ، فقد كانت توجد بحارات أم درمان قديماً، وعلى باب كل منزل، قطعة حديدية سوداء اللون عليها نمرة، وهي تعريف بالمنزل وصاحبه، وعن طريقها تدفع العوائد، وتصل الخطابات والطرود والبرقيات البريدية، من مختلف بقاع السودان والعالم!.

              كما يضم كرش الفيل مجموعة من الأحياء الصغيرة المتداخلة مع بعضها البعض، حداً يجعل بعض أطرافها، يتمدد داخل أحياء أخرى مستقلة، فتتداخل مع أحياء ومناطق مجاورة، كبيت المال والملازمين شرقاً، وأحياء ود أرو والعصاصير شمالاً، إضافة لمجموعة أحياء صغيرة متداخلة، تربطها تلك الأزقة الضيقة المتعرجة كأحياء الاستبالية والمغاربة والشهداء والعبابدة.

              يتميز كرش الفيل من الناحية العمرانية، بضيق أزقته وتداخل بيوته مع بعضها البعض كأغلب عمران أم درمان منذ نشأتها، والتي بني معظمها من الطين والجالوص، وما يزال الكثير من عمرانها يحتفظ بهيئته الأولى التي بني عليها، ويعود أغلبها إلى فترة الثورة المهدية! وقد تميز الحي بحيشانه الواسعة التي تضم عوائل ممتدة من أسرة واحدة كأغلب بيوت وحيشان أم درمان القديمة.

              في داخل حيز كرش الفيل يقع حي الركابية، أحد أقدم وأعرق أحياء أم درمان منذ نشأته مع الأيام الأولى لاستيطان الثوار المهدويين منطقة أم درمان، حيث يُحد حي الركابية غرباً بسوق أم درمان وشمالاً بشارع أبروف ويقع جزء منه بحي الاتراك أو زريبة الكاشف شمال كهربة عامر" نسبة لعمود الكهرباء الوحيد بالشارع جوار منزل محمد بشير عامر فوراوي الاداري المرموق والوكيل الأسبق لوزارة الارشاد في عهد الحكم العسكري الأول"، وجنوباً بشارع الاسبتالية، ثم شرقاً بشارع الخليفة أو الوادي حالياً. ويشقه شارع السيد علي الذي يمر به من عند دكان نعيم شندي المواجه للمحطة الوسطى أم درمان من الناحية الشرقية، مروراً بمنزل عبد الله خليل عند تقاطع شارع الوادي المنحدر من مستشفى أم درمان، مروراً بمنزل إسماعيل الأزهري عند تقاطع شارع ود أرو من عند صينية حي الملازمين، حيث يتجه شرقاً داخل حي بيت المال إلى شاطئ نهر النيل. وقد سمي بشارع السيد علي نسبة للسيد علي ابن السيد محمد عثمان ابن السيد محمد الحسن أبو جلابية ابن الختم محمد عثمان!.

              تسكن هذا الحي العديد من الأسر التي ارتبط أهلها بالتجارة والرياضة والسياسة والفن والاجتماع كأسرة الأمين برهان، والعازف أبشيبة، وعبد الرحيم كورس حقيبة الاذاعة السودانية، وهناك عدد من الشعراء المشهورين كالشاعر صالح عبد السيد أبو صلاح وأحمد محمد صالح ويوسف مصطفى التني وحسن عوض أبو العلا وكل من كمال الجزولي وصلاح يوسف، ومن المسرحيين نجد كل من خالد أبو الروس وإبراهيم حجازي والريح عثمان والممثل البارز إبراهيم خان!، ومن الحركة النسوية نفيسة أحمد الأمين، وفي الرياضة ضم الحي نادي فريق الهلال الرياضي لفترة من الزمن قبل بناء استاده وناديه الحاليين، كما ترعرع فيه "بكرة الشراب" أشهر لاعبي كرة القدم كالدحيش وبرعي أحمد البشير وبشارة والضب وعبد الرحيم أول حارس مرمى لفريق الهلال، حمور ودريسة ومكي السيد، حمدنا الله أحمد وبابكر مختار، ضمن مؤسسي فريق الهلال الرياضي، والبطل خالد الذي برع في رياضة كمال الأجسام. ومن أشهر الأسر التي أسست حيشانها نجد حوش السيد المكي نفسه وحوش البكري الذي أصبح زاوية للطريقة الاسماعيلية فيما بعد، إضافة لحوش بشير البكري والخليفة هاشم وأل هواري والقبانية والحجازية، آل الأنصاري وآل برهان وعبد الله شوش، كرار السيد والسيد الباقر واسماعيل أبورقبة والبروفيسور فيصل محمد المكي ورئيس القضاة ميرغني مبروك والشيخ الطيب والقرمانية وعبد النور ولاليت وعبد الحافظ وهواري وكبوشية وآل النحاس وتركي وصالح داؤود وبلال رمضان والخزين والمنعمية " عبد المنعم محمد" وآل معني وأبو العلا وهيبة، ود نكير وعوض كوج وأولاد ياسمين،

              كما يقع في "كرش الفيل" أيضاً حي السيد المكي الذي تتحدد جغرافيته في حدود أضلاع المثلث الواقع بين الأستوبات الثلاثة "ود أرو"، "مكي" و"الشهداء". بمعنى أنه من الناحية الشمالية الغربية يحد الحي إستوب مكي ود عروسة، ومن الناحية الغربية يحد الحي شارع الوادي أو شارع الخليفه، ومن الناحية الجنوبيه يحده مثلث الشهداء العريق قبالة ميدان الشهداء، ومن الناحية الشرقية صينية أزهري، ومن الناحية الشمالية الشرقية يحده إستوب ود أرو، ويحده شمالاً شارع أبو روف!.

              أنشئ حي السيد المكي الذي يقع داخل حدود حي "كرش الفيل" في آواخر عام 1884 عند وصول السيد محمد المكي بن الشيخ اسماعيل الولي مع الإمام المهدي الذي استقر بمنطقة أم درمان، وحاصر مدينة الخرطوم، و"ينحدر السيد المكي من أسرة أصولها ترجع لمنطقة منصوركتي بشمال السودان هاجرت إلى كردفان في نهايات القرن الثامن عشر"، و لوالده الشيخ إسماعيل الولي الفضل بعد الله في نشر الإسلام بجنوب كردفان فأنشأ السيد محمد المكي مسجداً في الفضاء الذي يقع شمال سكن الامام المهدي وخليفته، وعكف فيه بتدريس القرآن وعلوم الشريعة، فسمي الحي باسمه وأصبح مسجده يعرف بمسجد الطريقة الإسماعيلية ثم أصبح فيما بعد مقرباً من الخليفة عبد الله كمستشار في أحوال الرعية وشئؤون الدولة المهدية، خاصة فيما يتعلق بالمواجهات العسكرية ضد أعداء الدولة المهدية، وبعد سقوط الدولة المهدية بعد معركة كرري، عاد السيد المكي إلى الأبيض ليقضي بها بقية حياته ويدفن فيها بجانب والده الشيخ اسماعيل، وما يزال حوشه موجوداً بالحي حتى الآن.

              أما نسبة "ود عروسة" التي أُلحقت بالسيد المكي، فقد أتت التسمية من زواج شهير شهده الحي في بدايات تأسيسه، وكان حفل الزواج الذي استمر لمدة أسبوع، طغت علية مظاهر البهرج والزينة والبذخ الطاغي، الذي ظل الحي يساهر مع أفراحه يومياً حتى صبيحة اليوم التالي لمدة أسبوع كامل، حينها قال أحد شيوخ الحي متباهياً لمن حوله: "والله الليلة مكي أصبح ود عروسو زاتو"!، وهكذا سار الاسم على الحي، جنباً لجنب مع الاسم الأصلي "حي السيد المكي"!. علماً بأن إسم حي"عبد الله خليل" قد أُطلق على الحي، وطغى في أحايين كثيرة على الاسم الأصلي للحي وذلك بحكم أسباب متعددة ليس هنا مجال حصرها!.

              إن أكثر ما يميز حي السيد المكي، كبقية أحياء أم درمان الأخرى هي الشخصيات التي ترعرت في ربوعه، وأولئك النفر من النساء والرجال الذين تركوا بصمات على مجتمع العاصمة وتاريخ السودان، في مختلف التخصصات ومجالات الحياة إجتماعياً وسياسياً ورياضياً واقتصادياً!.

              وفي حيز ضيق من منطقة كرش الفيل هذه تجد بيوت لأشهر الشخصيات السياسية المميزة، من قادة الأحزاب السياسية، الذين ما تزال أسرهم تقطن تلك المنطقة ، كإسماعيل الأزهري والأميرلاي عبد الله خليل وعبد الخالق محجوب ومبارك زروق والشيخ علي عبد الرحمن وأمين الشبلي. وفي الفن نجد المنازل والحيشان التي نشأ وترعرع فيها أفذاذ الطرب كالفنان عبد الكريم عبد الله كرومة والأمين برهان وكمال ترباس ومحمد ميرغني وأحمد المصطفى في بداياته، مصطفى البكري مؤسس مقابر البكري الشهيرة بأم درمان، وسكن به خالد أبو الروس، والتقر لاعب المريخ وبت المك صاحبة أحد أفضل كوارع وطعمية وسلطة أسود بأم درمان!، آل النجومي وأل العجب، آل الخليفة عبدون، آل الخليفة عباس ومدثر البوشي، آل أبكريق وآل كبوشية وآل شلبي، آل محمد صالح وأبو رفاس وتميم وهواري وخال العيال والبدري وحاجة " قيمة " إحدى أكبر شيخات الظار بالمدينة!. والمنطقة جمعت بيوت الشيوعيين والاتحاديين وأنصار الأمة وحولية الاسماعيلية وحوش البقر وميدان الحديد الذي يتوسط الحي. ونجد أسرة شيخ الطاهر الشبلي وآل الضرير والخليفة عبدون و الجبلاب، آل الخليفة هاشم، مصطفى كيشو وآل محمد عثمان الختم أحد أشهر علماء السودان فترة الخليفة عبد الله التعايشي، آل عبدون خليل وآل أشقر، آل الضرير وآل محمود مشي، آل محمود الرشيد، علماً بأن التسامح الديني قد كان ولا يزال سائداً بين ربوعه حيث نجد عدداً من أسر الأقباط والمسيحيين، كآل جرجس ومنيوس وكلوبس وآل حنا، والبقية من هؤلاء الذين توسع عمرانهم من حي المسالمة إلى هذا الحي العريق، والجاليات الأخرى وأشهرها الهنود واليمانية. علماً أن بعض (ذوي الاحتياجات الخاصة) بشكل أو آخر قد سكنوا هذه المنطقة .. منهم (عابدين ربع الوقة) و(كاميليا) و(لكعا الجن فقعا) و(تيمان الشهدا) و(خوجلي أبو الجاز)!

              كما زخرت منطقة كرش الفيل، بالعديد من المعالم كطاحونة كولوبس القبطي قرب تقاطع شارع الهجرة شرقاً وشارع أبروف شمالاً، وتعد من أوائل طواحين أم درمان، ثم ورشة الحجر التي أنتجت اسطوانات طواحين العيش، كما كانت به دار الجبهة المعادية للاستعمار في بدايات تأسيسها، وبه عدد من المعالم الأمدرمانية الأخرى كبوابة أبو العلا، وحيشان كالقزاز والبقر والقمري، والآخير عبارة عن حوش لأسرة أنصارية عريقة، وقد أسس جزء منها قرية " أبو قمري" بمنطقة الجزيرة جنوب ود مدني، إضافة للمقابر التي ضمت شهداء كرري في ميدان الشهداء الشهير، ومدارس أولية كمدرسة الهداية، أول مدرسة أهلية أولية منذ عام 1912 التي أسسها الشيخ الطاهر الشبلي وخرًجت العديد من رجالات الاستقلال والحركة الوطنية، ثم خلوة الشيخ الطيب، والمساجد التاريخية كمسجد الشيخ الضرير ومسجد السيد المكي نفسه. وفوق هذا وذاك يمر به أشهر شارع شعبي وهو الذي أشار إليه الشاعر خليل فرح في أغنيته الشهيرة " ماهو عارف قدمو المفارق" عندما أشار إلى "الطريق الشاقيه الترام" والذي يمتد من مشرع شمبات عند طرف أبروف كمحطة أولى لترام الحي عبر شارع أبروف مروراً بسوق الشجرة وسبيل جبريل ومحطة "مكي باي نايت" ثم كهربة عامر حتى المحطة الوسطى أم درمان!، وكان العم منور هو أحد أشهر سائقي الترام رقم 28 والذى يسير بين المحطه الوسطى أم درمان وابروف.

              ورغم عوادي الزمن وتغير الطبيعة الجغرافية، فإن الأحياء التي يضمها "كرش الفيل" وكغيرها من أحياء أم درمان العريقة، ما تزال تحتفظ بطابعها المعماري والشعبي الاجتماعي القديم.

              وحسب توثيق الصحفي معاوية يسن لفن الغناء السوداني في مؤلفه القيم "تاريخ الغناء والموسيقى في السودان" فإن صديق مولى، أحد أبناء حي السيد المكي، يشير إلى أن الشاعر والمطرب حدباي كان يسمي الحي بـ (وادي عبقر) لأن هذه المنطقة ارتبط بها كل من سرور وكرومة وبرهان والشعراء إسماعيل عبد الرحيم محمد نور ابن عم الشاعر أحمد محمد صالح محمد نور، والشاعر عبد الله عبد الرحمن الضرير وابنه محمد عبد الله والشاعر مكي السيد الباقر وصالح عبد السيد أبو صلاح ويقيم في الجانب الشرقي من حي السيد المكي الشاعران على خالد وخالد آدم " إبن الخياط"، وفي ناحية ود أرو الشاعر خالد أبو الروس، وقريباً من الحي في ود البنا نجد أسرة الشاعر عمر البنا وقربه يقع أيضاً حوش الشاعر توفيق صالح جبريل والأخوان علي وحسن حامد البدوي، وكان الشاعر عمر البنا يقول أن الفن في أم درمان يكمن في المنطقة الواقعة بين "الدرداقية" و "حاج عربي" والأولى إشارة للمنحدر المفضي إلى سوق الشجرة، وهو ما أشار إليه الشاعر خليل فرح بالـ"المزالق" في قصيدته الخالدة " ماهو عارف" ، أما "الحاج عربي" فهو الحي الصغير الدي يقع بين محطتي ود أرو ومكي ود عروسة، وحاج عربي إشارة إلى منزل الطاهر حاج عربي الكائن في حي السيد المكي.

              حقاً .. فكرش الفيل ليست رقعة جغرافية على النحو المتعارف عليه في واقع الأمر .. إنها بمثابة وطن أنجب أمة كاملة!.
              حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

              Comment


              • حكايات الحلة ــ
                May 30, 2016
                هلال زاهر الساداتي
                من الأحداث العالقة بالذهن لطرافتها أو غرابتها ما يظل منها بالذاكرة مع أن أبطالها انتقلوا ألي رحمة الله منذ زمن بعيد ، ومنها ما ذكرته سابقا” من أن هناك صعاليك أو من تحدثه نفسه بأنه ( فتوة ) ويستعرض (( فتوته ) في ( فرتكة ) اللعبات في بيوت الأعراس واللعبة هي الحفلة التي يحييها فنان بالغناء ، ويصر الفتوة المفتون بقوته علي أن يأخذ ( الشبال ) من البنت التي ترقص في السباتة ، وهذا الفعل محرم ومستهجن ولا يمنح هذا الحق ألا للعريس وحده وربما يتجاوزه الي وزير العريس ، وكانت البنات يجلسن منبلمات أي منحجبات ولا تكشف الواحدة منهن وجهها وشعر رأسها الا عندما يطلبها العريس للرقص ، وعندما تنتهي من رقصتها ترجع الي حالتها الأولي من حجب وجهها ورأسها ، وهذه هي الفرصة الوحيدة الني يري فيها الشبان البنات ، ولطالما حدثت معارك دامية لهذا السبب يخرج منها الفتوة المتطفل مكسورا” ذليلا” بعد أن يتكالب عليه أصحاب العريس في ضربه وطرده ، والواقعة التي يصدد سردها أنه كانت هناك لعبة أي حفلة غنائية في عرس في أحد بيوت حي الموردة بأمدرمان ، والحفلة مدورة والجميع مستمتع دخل أحد الغربآء وكان سكران ( طينة ) وأراد أن يأخذ شبال من البنت الراقصة ، ومنعوه ، وكان يحمل عكاز مضبب وقال ( علي الطلاق البيقربني ألا عكازي ده ياباه والراجل فيكم يقرب مني ) وأذكر هنا أن أن بيت العرس كان مجاور ( الحيطة بالحيطة) لمنزل العم أحمد ، والعم أحمد رجل ضخم الجسم طويل القامة حبآه الله بقوة خارقة تهتز الأرض تحت وقع قدميه ، وجري ولد من أهل الدار ونقل الخبر للعم أحمد والذي كان من عادته أن يجلس في حوش منزله الخارجي وبجانبه زجاجتين من العرقي يستأنس بهما ولا يهتم بالغنآء والرقص وعندما يفرغ من الشرب يأتون يعشائه المكون من رأسين نيفة ، ويشتهر عنه أنه لا يحب قلة ألأدب والمسخرة والخمج ،) ، وجاء العم احمد ولم يسأل أحدا”وانجه رأسا” الي الرجل الدخيل الذي كان يشتم ويتوعد وخبطه بكفه علي راسه وبرك الرجل منهارا” علي الأرض ، وحمله علي يديه كالطفل ويتف في وجهه وفذف به من فوق الحائط الي الشارع ، وأخذ الدخيل يصيح ( أنا مكسور يا ناس انجدوني يا مسلمين العتب علي السكر سامحوني وارفعوني .
                ومن ضحايا فرتكة اللعبات فتوة أصيل أن كانت للفتونة أصالة وهو فتوة الموردة وامدرمان ( كبس الجبة) والذي قضي نحبه برصاصة من صاحب المنزل والد العروس العم المهندس خاطر عندما فركش كبس الجبة اللعبة واعتدي علي الحضور بالضرب وهدده العم خاطرمن بعيد بالمسدس ولكن كبس لم يأبه به وتقدم بجسارة نحوه ليضربه ، فأطلق العم خاطر طلقة من المسدس أصابت كبس في مقتل ووقع كبس علي الأرض ومات ، وكانت قضية مشهورة شغلت الرأي العام وكان المحامي عن المهندس خاطر الأستاذ محمد احمد محجوب رئيس الوزراء فيما بعد ، وذكر لي شقيقي عدنان المحامي أن تلك القضية صارت من السوابق القضائية وقد كتبت عنها في كتابي ( أمدرمانيات ) بعنوان ( شهادة راس الميت في حق كبس الجبة ) والشيئ المضحك المبكي أن صديق كبس الجبة ( راس الميت ) حضر للمحاكمة كشاهد دفاع ولكن شهادته حولته الي شاهد اتهام من حيث لا يدري وختم شهادته بقوله : ( وبعدين عمي خاطر طلع ومعاه مسدس وهنضب كبس ولكن كبس ما هماه وبقي ماشى وماشي علي عمي خاطر وبعدين عمي خاطر ضربه طلقة ووقع ومات ، لاكين جنابك لو كان كبس وصل ليه كان طلع دينه )) وبرأ القاضي العم خاطر .
                وأما أخ كبس فكان في مأتمه يقول للمعزين ( ده شن بشيلوغير الرصاص …
                وكما ذكرت في مقال سابق أن وسيلة المواصلات في أمدرمان هي الترام للمسافات الطويلة والحمير لاوساط الناس واضيف الي ذلك الدراجات أو البسكليتات والأسم محرف من الاسم بايسكل بالأنجليزية ، وكان العاملون من العمال الذين مكان عملهم في الخرطوم بحري في مصلحة المخازن والمهمات والنقل الميكانيكي والوابورات يذهبون الي العمل بالدراجات ،وعندما أنتقلت مدرسة الأحفاد بقسميها المتوسط والثانوي الي المبني الجديد في آخر شارع العرضة بمحازاة نادى المريخ والهلال لكرة القدم ، وهذا المبني الذي صار بعد ذلك مقر جامعة الأحفاد للبنات الحالية أضطررت لشراء دراجة حتي أصل اليها من مكان سكني في فريق ريد بحي الموردة وقمت بشرآء دراجة بالتقسيط من أول راتب احصل عليه من وظيفة ، واستشرت العم عبد الكريم بدري في الأمر وأن كان يعرف تاجرا” ليضمني عنده في مسالة الأقساط ، وكان التاجر الوحيد في السوق الكبير الذي يبيع الدراجات ووكيل شركة دراجات رالي الشهيرة هو حسن صالح خضر ومحله في الشارع الرئيسي المقابل للجامع الكبير ولأجزخانة امدرمان ، وقال لي العم قل له أنا أتيت لك من عند العم ، وذهبت للتاجر وعملت بوصية العم ، وفي الحال استلمت منه دراجة ماركة رالي جديدة ثمنها عشرة جنيهات وأدفع جنيهين قسط في أول كل شهر ، ويسرت لي الدراجة زيارة الأصدقآء والأهل في ودنوباوي وميدان الربيع في العباسية وأبو كدوك وحي الضباط وبانت ، وأكثر من ذلك استطعت من مشاهدة الأفلام الأنجليزية الراقية بسينما النيل الأزرق بالخرطوم ذاهبا” الي السينما بدراجتي ، وكنت أحرص علي صيانتها في أول كل شهر عند العجلاتي الشهير عوض كوج ودكانه بجوار نادى الخريجين بامدرمان في شارع المهاتما غاندي المعروف يأسم شارع الدكاترة وذلك لعيادات الدكاترة المنتشرة من أوله الي آخره
                وصرت بذلك من أصحاب الأملاك وأن كانت دراجة ، وقد كفتني عنآء المشاوير
                حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                Comment


                • منقول
                  كتب ود المك
                  هذا المقال يستحق القراءة والقوص في أعماق بحور ه ..
                  أحد الأحباش الأوباش كما نُسَمِيهِم،درجت علي أن أحلق رأسي في صالونه،منذ أن أتيت لود مدني ولأكثر من عامين،وقد شدَّني بكثرة إحترامه لي وتقديري وتدليلي كلما ولجت صالونه وجلست أمامه علي كرسي الحلاقة،عِلماً بانني لا أدفع له سِوَي (مَدَّتْ المِزَّيِّن) كما نسميها في أدبنا الشعبي المحلي (رديئ الصُنْع)..وفي كثير من الأحيان كنت أتساءل عن لِماذا يعاملني هذا الحبشي بكل هذا الإحترام والتقدير؟! وهو يعلم بأنَّ فعله لا ولن يجد طريقاً لقلبي المليئ بالعزة والكبرياء..كنت أنظر له دائماً بتعالي وترفع وإحتقار وأعتبر ما يقدمه لي بمثابة (حقي عليه) وفي نفس الوقت هو(واجبه) الذي ينبغي أن يقوم به،وكنت أنظر لكل ما يضعه من رتوش وديكورات وشكليات علي وجهه علي أنَّه مجرد (كِسِيير تلج) لا غير،وأعانني علي هذا الفهم تلك الثقافة البِدائية الساذجة..ثقافة الإعتداد بالذَّات البليدة والنتنة التي أودعتها في مواعيني قبيلة دار (جعل) التي تجري دمائها في عروقي بألوان ومكونات شتَّي، كدماء الأباطرة والقياصِرة والمِلوك دونما فعل مني ولا جهد..وأنظر لنفسي دائماً بأنني ومنذ المِيلاد، وُلِدت عزيزاً وإن كنت وضيعاً،وولدت كريماً وإن كنت بخيلاً،وولدت رفيعاً وإن كنت دنيئاً وتافهاً،وولدت لأدوس علي مكارم الأخلاق بجهلي ودونيتي دونما أدني شعورٍ بالذنب!!!
                  داومت علي زيارة ذلك الحبشي لأكثر من عامين، دونما أن تجد إنسانيته وأخلاقه الرفيعة وتعامله الحضاري معي أيِّ إحترام أو تقدير أو تقييم، حتي دعاني ليلة أمس وبكل (أدب) لحضور إحتفال (أسرته) برأس السنة الحبشية..ترددت باديئ الأمر ظنَّاً مِنِّي وأنا المك نمر،أنَّ الرجل له حاجة عندي ويريد أن يغلفها ببعض المقدمات والرتوش..ولكنني في النهاية وبعد إلحاح منه وإصرار وعدته بالمجيئ، وكنت غير مهتم بالإيفاء بوعدي،ولكنَّ فِعْل هذا الشاب الراقي معي جعلني أُلَبِي الزيارة دونما وعَيْ مِنِّي أو إدراك..وهناك في منزلهم الكائن بحي الحِلَّة الجديده،دخلت عليهم في الموعد المحدد،وفي النفس ما فيها من عِزَّة وإقتدار ومفاخر،وفي بداية جلوسي معهم،كانوا يتحدثون فيما بينهم بالأمهريَّة التي لا أفهمها،فطلبت منهم أن يتحدثوا بالإنجليزية أو العربية حتي أكون معهم في دائرة الحديث،فأومؤوا برؤسهم موافقين، وبدئوا الحديث بالعربية الفُصْحَّي وتغَنَّوا بها بلكنة رائعة وجميلة وتطريب عالي وإشباع للصوت لم أسمعه حتي في غِناء ود داؤود،غنوا لإبراهيم الكاشف (رحلة بين طيَّات السِحاب) و(إنت وأنا)،وغنوا لسرور (قائد الاسطول) وغنوا لكاظم الساهر (ضُمِيني) وغنوا لفيروز (شُفت البحر..)ومن بعد هذا إنتقلوا لِلُغَناء باللغة الإنجليزية التي أعرفها فجعلوني بينهم كالأطرش في الزَّفَّة،غنوا لِــ دَيون سارلي(الأمطار المتساقطة) ولــ كرستيان ماكمان (تراتيل الفجر) ولــفرقة البِييتل(بياض الأشرعه) ولكرستوفر داسلي (العِشق الإلهي) ولِمايكل جاكسون (يوم جميل)،ثم إنتقلوا للفرنسية وغنوا وتحدثوا بها وانا خارج السِرب تماماً وهائمٌ بينهم ومشدوه بهذا الفن والجمال،ثمَّ بدأ التعارف باللغة العربية الفُصْحي، لأكتشف بأنَّ حلاق رأسي طبيب بشري يحمل درجة الماجستير في طب النساء والتوليد،وكان يعمل طبيباً في مدينة كسلا حتي أوقفته السلطات الأمنيه بدعوي أنه معارض سياسي لدولة صديقة، ولا يحق له ممارسة مهنة (طبية) إلا بموافقة المجلس الطبي،وعندما ذهب إلي المجلس الطِبِي وفحص شهاداته،أوقفه عن العمل بدعوي أنه إختصاصي ولكنه لا (يجيد إستيعاب لغة المريض)، ومنذها دخل هذا العِالِم الطبيب النِحرير، عَالَم المِهَن الهامشية لإكتساب قوت عياله!!.
                  علماً بأنَّ من كنت في حضرتهم هم أسرته الصغيرة المكونة من زوجته (آميل) والتي عندما إستقبلتني بكل حفاوة والإبتسامة ترتسم علي شفتيها، كنت أنظر إليها علي أنها بنت شوارع فقط لأنها حبشية،لأكتشف ومن خلال التعارف معها بأنها مهندسة زراعية وعضو في اللجنة الدولية لهندسة النبات الوراثية لشرق ووسط إفريقيا لأكثر من سبعة سنوات،وتجيد التحدث بأربعة لغات من بينها الصينية،وتتقن كل لهجات أثيوبيا،وشقيقته الحسناء (نيبيين) طبيبه تحمل درجة البكالريوس في الطب من جامعة أثيوبية، وتعمل في السودان ترزية (لتخييط ملابس الاثيوبيين الشعبية) وتجيد ثلاث لغات،ووالدته التي كانت تعِدُّ لنا الطعام وتبتسم في وجهي كلما دَخَلَت أو خرجت،وكنت أنظر إليها علي أنها ..،إكتشفت أنَّها باحثة في التر اث الإفريقي، وتحمل درجة الدكتوراه في الفلكلور من إحدي الجامعات الأثيوبية،وكانت تعمل مُحاضرة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لأكثر من عشرة سنوات،وبناته الثلاثة اللأئي كُنَّا يتغنين بكافة اللُغَّات، وفي كل ساعة يخرجن علينا بلِباس قوميَّة معينه في إثيوبيا..هُنَّ يدرسن في مرحلة الأساس بمدارس ود مدني المختلفة!!!!!.
                  هكذا كان حَلَّاقِي (الحبشي)تِسْفَاااي، والذي إضطر لتغيير إسمه في السودان لــيصبح بقدرة قادر (إبراهيم (الخليل)) لتسهيل تعامله مع السودانيين العُزَاز وعتاولة،هكذا كان يتدفق وأفراد اسرته،عِلماً وثقافة وإنسانية ورُقي وتسامح مع الآخر، وتعايش وتَقَّبُل لأقدار الحياة وظروفها الغريبه وعجيبه،وهكذا كنت أنا الجعلي الكِناني القرشي الأزهر الأمهر الألمع الأعلم الأفهم، ذِقَّاً مُنْتَفخاً بأمجادٍ من نسج خيال قبيلتي أقعدتني في سِنٍ مُبكرة عن الإقبال علي نفسي وإستكمال فضائلها، وكفتني متاعب البحث عن ذاتي وعن تحقيق مقصد الله في خَلْقي وفي أن أكون إنساناً عَالِمَاً ومُهذَّباً وخلوقاً ومتواضعاَ مع أبناء البشرية جمعاء (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) صدق الله العظيم.
                  وشكراً لك دكتور تِسْفاي علي هذا الجمال والسِمُو والتواضع


                  حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                  Comment


                  • 1896 كانت الخرطوم اوروبية يتم غسل شوارعها مع الفجر بالماء والديتول ..!!!
                    قالت الأهرام المصرية عن الخرطوم عام 1896 إنها مدينة جامعة لجمال الموقع الطبيعي ومحاسن النظام المدني والرونق الحضري وقصورها في غاية البهجة وشوارعها منتظمة. لم يجرؤ أحد على دخول مركز المدينة ومؤسساتها وأسواقها وأنديتها – بشبشب أوسفنجة.. كانت الأفلام السينماية تشاهد بالخرطوم في ذات يوم عرضها بلندن أو القاهرة، وكان مواطنو الخرطوم يقرأون الصحف والكتب ويحصلون الأسطوانات يوم صدورها في مصر.. وكان العرب يشترون أقمشة الصوف والأدوية الأوروبية والشاي الحب وأمواس الحلاقة من أسواق الخرطوم. كانت الخرطوم تزخر بالمسميات الأوروبية لشوارعها ومحالها ومتاجرها.. كلها اختفت بعد الاستقلال. ومنها شارع فكتوريا الذي أصبح شارع القصر.. وشارع نيوبولد (شارع الحرية) .. كما تحولت كلية غردون إلى جامعة الخرطوم.. وتحولت اسم مدرسة الملك فاروق إلى مدرسة جمال عبد الناصر، وكانت الخرطوم تتميز بالمقاهي الكبيرة، كما هو حال القاهرة اليوم.. ومنها خمسة تعد من كبريات المنتديات التي يتجمع فيها الأهالي وتقع في منطقة السوق العربي، وهي: قهوة الزيبق، الكوباني، وأبوزيد ، وقهوة الصنايعية والعيلفون.. ويبدأ العمل من الساعة الخامسة مساء في ترتيب أرائكها التي تسع لحوالي ثلاثة إلى خمسة أشخاص ويفد إلى هذه المقاهي المواطنون في جلاليب نظيفة مع العمامة أو البنطال والقميص المحشو والحزام والأحذية الجلدية يتناولون الشاي بالحليب ويتسامرون.. ومجموعات أخرى منهمكة في الهم السياسي أو يستمعون إلى الأغاني التي يبثها الفونوغراف من الأسطوانات.. والملاحظ أن المقاهي الأفرنجية الأخرى باستثناء - ميرلاند - يقوم على خدمة روادها أبناء الإغريق ويتميز مقهي اتني بجرسونات اغريقيات من أثينا .
                    كان الجرسون يؤدي طقوسا في اثناء تقديم الطلبات للزبائن وكان يقدم المشروبات بادب جم تصحبه انحناءة وكانها للملكة اليزابيث وهو يتلقى البقشيش - كما افتتح الأديب المرهف عبد السلام كشة بشارع الجمهورية مقهى - ميرلاند - على نمط الفيشاوي في القاهرة.

                    كانت الخرطوم تعد مدينة أوروبية وكان يتم غسل شوارعها مع الفجر وفي أحيان كثيرة كان يخلط الماء بالديتول لغسلها قتلا للجراثيم ومنعا لانتشار الامراض .. خاصة شارع القصر وكانت سيارات البلدية - الصهاريج – تقوم في الصيف برش شوارع الأحياء الشعبية لتثبيت التراب ومحاربة السحائي وتلطيف الجو مع كثافة الرش في شهر رمضان..
                    كانت الخرطوم مشهورة بالأكلات الشرقية الطاعمة.. كان سفراء الدول يفضلون تناول وجبة الغداء في فندق الإكروبول وفي ذلك الزمان كانت الخرطوم مهوسة بسباقات الخيول التي تنعقد أسبوعيا بالعاصمة ، وشهريا بودمدني، وكانت الدولة العربية الوحيدة التي يشارك مواطنوها في سباقات الديربي البريطاني للخيول الذي ترعاه ملكة بريطانيا.. وقد كانت محلات مرهج بشارع الجمهورية توفر قوائم ذلك السباق والخيول المشاركة ونبذة تاريخية عنها، كما تقوم بتعبئة الاستمارات وتسديد قيمة المراهنات ويقوم المحل بإرسالها إلى لندن.
                    كان الاهتمام بالحذاء يعد سلوكاً حضارياً إلى جانب الأناقة.. ولهذا نشطت المتاجر في عرض أحمل وأرقى الأحذية وآخر الصيحات وكان الرجال والسيدات وخاصة الشباب يختارون أحذيتهم من الكتلوجات التي يوفرها لهم محل البون مارشية وهو محل مشهور وما ذال موجود في فرنسا وكان يقع في الركن الشرقي الجنوبي من العمارة التي حل مكانها البرج الحالي بالمحطة الوسطى الخرطوم ، وكانت تنتشر فيها أيضا وبكثافة الأندية والمحال التجارية الأجنبية - ومنها حلواني gb وهو اختصار لبريطاني العظمى وكان يقدم أجود أنواع البقلاوة والتورتات والجاتو.. وحلواني بابا كوستا اليوناني الذي اشتهر بصناعة المعجنات.. ومخبز كتشنر شمال جامع الخرطوم المتخصص في إنتاج الرغيف البلدي.. ومن الأماكن الأجنبية صالة غردون للرقص، ومرقص سانت جيمس الذي يتسم بالشعبية ويقدم أغاني الجاز الغربية.. ومن المطاعم الأجنبية مطعم رويال – شناكا - ولورد بايرون.. وموريس قولدن بيرج للنظارات، وبونباي بازار، ومالكه ميرزا ويقدم أرقى الملبوسات الرجالية والشبابية.. ونشير إلى أن هذه المحال والمتاجر والأندية والمطاعم أغلقت أبوابها بعد أن قام نظام نميري بتأميم التجارة عام 1970م ..
                    منقول من صحيفة اليوم التالي


                    حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                    Comment


                    • وينك يا ظريف
                      من يوم سبعة مختفي

                      Comment


                      • كرمت كوستاريكا الشاعر السودانى يوسف الحبوب ضمن فعاليات مهرجان الشعر العالمى وأصدرت مجموعته الشعرية ( محاولة تسلق ظل وردة ) باللغة الإسبانية
                        حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                        Comment


                        • بقلم الكاتب الصحفى
                          عثمان الطاهر المجمر طه / باريس
                          فى الأيام المنصرمات حل ضيف على باريس أسمر
                          السحنات والسمات حلو القسمات من سلطنة عمان جاء
                          بعطر أم درمان يضمخ الأجواء بسحر جمال السودان
                          وبألق وتأنق الرشيق من البيان على مر الأزمان إنه الإنسان الفنان المحامى الأديب الأريب و الشاعر الرشيق
                          الرقيق الأنيق يوسف الحبوب إستضافته قناة فرانس 24
                          كما إستضافه راديو مونتكارلو وقد تابعت أنا لقائه فى
                          فرانس24 حيث أبدع وأمتع المشاهد بأروع أشعاره
                          من ديوانه { محاولة لتسلق ظل الوردة } وقد أهداه لوالده الذى علمه سحر القوافى وسر الكلم الثقافى
                          خرج يوسف الحبوب رغم أنفه من أحب الديار
                          إلى نفسه من أم درمان وما أدراك ما أم درمان
                          حى الملازمين حيث إذاعة هنا أم درمان حى الموردة
                          حيث أقدم شاهد تأريخى حضارى دار الرياضة
                          بأم درمان ثم العباسية ملتقى الفن والحضارة والثقافة
                          أفضل لاعب كرة قدم سودانى لاعب الفريق القومى
                          والهلال نصر الدين عباس جكسا أفضل مغنى جاز
                          وعازف جيتار شرحبيل أحمد وفى العباسية ولد
                          رئيس وزراء السودان الإمام الصادق المهدى
                          وحى أبوكدوك أنجب ا لمبدع المطرب الشعبى كمال ترباس هذه هى أم درمان حى العرب أبوروف حى العمدة
                          حى الضباط بانت التى أنجبت عبقرى الهلال مصطفى النقر وعبقرى المريخ الدكتور كمال عبد الوهاب هذه هى أم درمان التى خرج منها الشاعر يوسف الحبوب مغاضبا
                          لأنه شاعر يعشق الحرية حرية الكلمة حرية النغم حرية العطاء حرية القضاء لأنه محامى عندما إغتيلت الديمقراطية بليل لم يعد يوسف الحبوب يتنفس أكسجين
                          الإبداع لأن سماء السودان تلبدت بغيوم كلاب جهاز الأمن
                          فلم يجد مفر من الهجرة فهاجر من أم درمان إلى سلطنةعمان فخسر السودان مبدع وطنى محامى وشاعر
                          كما كان المحجوب رئيس وزراء السودان إبن أم درمان
                          محامى وشاعر فحل صاحب الفردوس المفقود أى رثاء
                          الأندلس كان صاحبنا الحبوب كسبته سلطنة عمان وكسبه
                          الخليج كنار يغرد بأعذب الألحان وأحلى وأجمل الأشعار
                          فى وجه يوسف الحبوب ترى السودانى ود البلد فتردد
                          على الفور يابلدى ياحبوب فى سحناته وقسماته وبسماته
                          ترى ذلكم السودانى الذى تعرفه قبل عشرات السنين تشرق الطيبة من وجهه وتضئ إبتساماته قلبك فتملأه
                          بالفرحة والإنبساط فتجد نفسك ترتاح لهذا الرجل تهضمه
                          وتندمج معه لبساطته وتواضعه وحلو معشره وطيبة قلبه
                          إنه إبن أم درمان إبن السودان الإنسان المرهف الإحساس
                          الشاعر المجيد يوسف الحبوب { أنا شاعر كى لا تضيع
                          الأشياء وتبقى ملامحها عندى واضحه تقودنى وأقودها
                          ومن خلالها تنضج ثمرة حرية الكلام وتلوين الفضاء
                          الإبداعى بريشة متقنة وبألوان زهية ونحبها وتحتوينا }
                          قصة غربته كانت بسبب إقتحام قوات الأمن شقته
                          فى { أبورو ف } وصادرت كل القصائد وكل الأشعار
                          هكذا دائما يفعلون وقد حكى لى الأستاذ صادق عبد الماجد
                          زعيم الأخوان ذات مرة وأنا أجرى حوار معه أن قوات
                          الأمن داهمت منزله فى حى { الدومه } وصادرت كل الأوراق التى فى المنزل ماعدا بيان سياسى يدين نظام مايو يومها وكان البيان تحت مسنده فى الكرسى وقد قرأ
                          هو أية الكرسى فلم يستطيعوا أن يصلوا إليه هذا والجميل
                          إن ديوان { محاولة لتسلق ظل الوردة } تمت ترجمته
                          إلى اللغة الإسبانية لكى يشارك به فى مهرجان الشعر العالمى فى كوستريكا وسوف يتم إختيار أجزاء منه
                          لكى تدرس كمنهاج فى كلية الآداب بجامعة كوستريكا.
                          والجدير الذكر قد تم التوقيع على عقد نشر الطبعة الفرنسية لمجموعة { محاولة لتسلق ظل الوردة }
                          من هنا ندعوك عزيزى القارئ لتحجز نسختك العربية
                          من هذا الديوان الجميل .


                          حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                          Comment


                          • مرفق صور من تكريم الشاعر يوسف الحبوب فى كوستاريكا IMG-20171001-WA0006[1].jpg
                            Attached Files
                            حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                            Comment


                            • IMG-20171001-WA0006[1].jpg


                              IMG-20171003-WA0014.jpg
                              IMG-20171003-WA0020.jpg
                              IMG-20171003-WA0018.jpg



                              Attached Files
                              حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                              Comment


                              • حينَ تَختبـِيءَ المَديـنـةُ في المَكْتـبـَة .. بقلم: جمَال محمّد إبراهـيـم

                                تمهـــيــد:
                                كنت قد أصدرتُ روايتي "دفاتر القبطيّ الأخير" أواخر عام 2016 ، وكعادة أكثر الكتاب سعيت لأدفع بنسخٍ منها إلى الأستاذة إخلاص صبحي التي تدير "مكتبة مروي"، بعد رحيل صاحبها العزيز "جرجس". وبعد مضي بضعة أشهر، ذهبت إلى "مكتبة مروي" لأراجع مبيعات روايتي، فراعني أنّ المكتبة نفسها لم تعد في مكانها، بل علمت أنه تم طرد المكتبة طرداً مبينا. رأيت أكداس الكتب ملقاة أمام شارع البرلمان ومقر المكتبة مغلق، وأن شهادة وفاة قد صدرت لـ"مكتبة مروي" التي عرفناها شامخة في ذلك المكان، منذ أكثر من ثلاثين عاما. . أبلغَ بنا الحال أن نعامل المكتبات وكأنها أمكنة لنشر الرذيلة وإشاعة الفواحش. . ؟
                                أيّ مدينة هذه التي تغلق المكتبات وتقذف بالكتب إلى قارعة الطريق. . ؟ لو ذكّرك ذلك الفعل وزير الدعاية عند "هتلر" الذي تحسّس مسدسه أمام المثقفين، لهان الأمر، ولكن تعيد الصورة إلى ذاكرتك، فعل "هولاكو" بمكتبات بغداد، قبل قرون بعيدة. .
                                أما أنا فقد تذكرت بكائيتي على مكتبة أم درمان المركزيةقبل عامين، فليتكم تبكون معي أحوال المكتبات هذه الأيام. .

                                (1)
                                للأمكنة سحرها الأخاذ، كونها تعتصر الزمن حبيساً بين جدرانها وأسوارها، ولكون الرأسيّ يلتقي الأفقيّ فيها بلا تضاد . للمفارقة بُعدها الفلسفي الموحي، إذ التضاد بين المكان والزمان هو تمويه لمتقاربين لا متنافرين. هي "الزمكنة" إن تحملت اللغة مزجاً مناسبا. مبتدأ المكان قد يكون في لحظة الانفصال عن المشيمة واستشراف الميلاد بصرخة الحسرة، بعد مفارقة دفء التخلق في الرحم. ثمّة أمكنة ندخلها بالمعلوم فور الخروج من مجهولها. الطفل يجد مهده . العصفور يكبر في عشّ أمه . النحل ينمو في خليته مما ابتنت النحلة. الضبّ يستيقظ في جحره. المكان هو الزمن الابتدائي الجديد ، حيث تنفلت الذاكرة على فطرتها، يصير الزغب أجنحة لعصفور يطير، والصرخة الأولى تكون أول سطرٍ في اللغة والكلام، يطلقها طفلٌ يسعى صغيراً ، ثم يكدّ كبيراً كهلا . .
                                الأمكنة وسحرها ..
                                لو أسقطتْ الذاكرة تفاصيل سنوات الكبر، فإنها تحفظ بدايات التشكّل، وكسب المهارات الجديدة في اجتراء الإمساك بعالم كبير بأيدٍ صغيرة رخوة الأصابع. في البدايات يكون النحت راسخاً في حجر العقل بهذه الأصابع الواهنة، فتثبت أبنية الذاكرة من تفاصيل المرئيات في عالم الخارج. وتبدأ من بعد ذلك رحلة المزاوجة بين الفطري والمكتسب ، فتزدهر مكونات الثقافة والموروثات ، وتنشأ ثوابت الحضارات .

                                (2)
                                لابدّ من إجابة لمن يستوضح : ما أصل هذا الكلام ، وما مبعثه ، ما نهاياته؟ وهل تتحمل صحيفة، مهما علا شأنها أو صغر، إلكترونية معجلة أو ورقية مِبطاء ، جدلاً يقترب من تخوم الفلسفة، يكاد يبلغ لغة التقعر، ويستدني المستحدثات من محسنات اللغة وغرائبها ؟
                                ربّما تلتبس الإجابة مثلما التبس السؤال . غير أني أفصح موضحاً، أن الذاكرة أعادتني إلى سنوات الصبا، بداية اكتشاف مشوار الحياة وبناء الشخصية، تشبعاً بقيم مجتمع نشأنا فيه، وتعليماً تلقيناه . .
                                ذات يوم ليس ببعيد، كنت أعبر خلاله طريقاً إلى سوق مدينة أم درمان ، مروراً بمستشفى "التجاني الماحي"، إذ أرى مبنى مكتبة أم درمان المركزية ، أو ما كان يوماً مكتبة لأم درمان. ولعله مبنى استأجرته وزارة التربية خصيصاً للمكتبة. لم يكن مروري مروراً معجلاً ، بل كنت أقف متمهلاً أنظر إلى الباب العتيق وقد لحق الصدأ حديده، ودهانه غادر من لونه وبهت. الجدران الخارجية قد آلت إلى سقوط مبين. لم يكن المنزل القديم يشي بأن حياة فيه لساكن . ليكاد أن يحسب الواحد أن بعض جنّ سليمان عليه السلام ، قد أووا إليه بعد هروب أسطوري قبل زمان الرسالات .
                                لكني أتذكّر كيفَ أمعنتُ النظر فكدتُ أن أشتمّ رائحة السنوات القديمة تعبق في المكان، قوية نفاذة . "مكتبة أم درمان المركزية". وأنت تدخل البهوَ، تصادفك أرفف حديدية وخشبية ، ملأى بأصناف الكتب. على يمينك الأدب العربي والتاريخ. في الغرفة الأولى يجلس أمين المكتبة، معلم أصلع في خمسيناته أو ستيناته ممسكاً بسيجارته، قليل الكلام لا يحكي مع أحد ، ويحدّث وهو ينفث دخانه إن احتاج همسا . لم يكن الدخان- في ظنِّ البعض- مهلكاً وقتذاك !

                                (3)

                                أدلف إلى القسم الذي يلي مدخل المكتبة. أقف عند الروايات العربية: روايات نجيب محفوظ وقصص محمود تيمور ومسرحيات توفيق الحكيم وقصص السباعي واحسان عبدالقدوس، وغيرهم من رواد الأدب والرواية العربية . في قسم الشعر العربي، ترقد دواوين الشعر الجاهلي في الأرفف السفلى بأغلفة سميكة ، ودواوين الشعر الحديث نسبياً، بأغلفة ورقية، ويشمل ذلك شعر أحمد شوقي كما شعر البارودي وحافظ إبراهيم وشعراء "أبوللو"، دواوينهم في أرفف على مستوى البصر. الغرفة الأخيرة تُحترز فيها أعدادٌ من الصحف والمجلات القديمة. في يوم صادفتُ عدداً من مجلة "حوار" اللبنانية/اللندنية ، ولم أكن أعرف إثارتها لأيّ جدل وقتذاك، لكني أتذكر كيف قفزت عيناي من محجريهما وأنا أطالع نصّاً عنوانه "موسم الهجرة إلى الشمال" لسوداني لم أسمع به من قبل، إسمه الطيب صالح.. !
                                كنتُ أتسلل خلسة بدراجتي- البسكليت- قبل أن يضبطني والدي فيمنعني، وأنا لم أتجاوز الرابعة عشر، وهي سنّ لا يطمئن معها على تركي أقود دراجتي إلى مسافات أبعد من الحيّ الذي نقيم فيه، جنوبي "خور أبي عنجة. أما إلى "المغالق"، على قول خليل فرح، والذهاب إلى سوق أم درمان، أو لمكتبة أم درمان المركزية، فتلك مغامرة غير محسوبة. هناك تشرّبت ذاكرتي من الكتب ودواوين الشعر التي كنت أستلفها بعد التسلل بدراجتي كلّ أسبوع من "حيّ أبوكدوك" إلى مكتبة أم درمان المركزية.
                                من تلك القراءاتِ استقام "مزاجي الأدبيّ والشعريّ"، ونما بمرور الأيام ، وأيضاً ممّا تلقينا من رعاية معلمينا في المرحلة المتوسطة : المعلم الراحل عمر علي أحمد، والشيخ حسن أبو سبيب ولم تكن قد استهوته السياسة بعد، وحمدي بولاد، قبل أن تأسره شاشة التلفزة ، وأستاذ اللغة الإنجليزية جمال عيسى والأستاذ المربّي عمر خالد مضوي، مدير مدرسة النهضة في أم درمان، على تلكم الأيام. أولئك قد حفروا ، مثلما حفرتْ المكتبة ، ما رسخ قوياً في الذاكرة من علمٍ وأدبٍ وثقافة . .

                                (4)
                                يا لسحر المكان ، ويا لرسوخه الأمين في الذاكرة الرّطبة . .
                                "مكتبة أم درمان المركزية" الآن: أتكون أثراً بعد عين؟ هاهيَ الآن وقد أصبحت أمام ناظريّ دِمناً يصلح أن ينسب فيها شاعر أمويّ مثل "الأخطل" أو "ذي الرُّمة"، أو صارت أطلالاً غادرها الشعراء ، فلا مَـيّ كانت هنا ، ولا أهلها تركوا أثراً من رحلهم يتأسىَ به شاعرٌ ولِهٌ عاشق. كنتُ أرى في الباحة الأمامية للمكتبة وفي الناحية الشمالية، حديقة صغيرة ممتدة إلى جدارٍ قامت بمحازاته شجيرات ليمون وأزهار فلٍّ. في سنواتٍ تلتْ انقلاب جعفر نميري في مايو من عام 1969، ظلت المكتبة وحديقتها الصغيرة ، مكاناً ومنتدىً، يتحلق فيه وحوله أدباءٌ ومثقفون وسياسيون، سودانيون وأجانب .
                                لن أنسى أمسية سياسية، تحدّث فيها المناضل الفلسطيني "نايف حواتمة" في تلك الحديقة ، وكان شاباً مشتعلاً نشاطاً وحيوية، خارجاً لتوّه من حظيرة الجبهة الشعبية (جورج حبش) لينشيء – مستقلاً - الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين . سحرنا "نايف" بحديثه ورجّنا الحماس ونحن في سن الصبا والانطلاق. كانت الخرطوم بعد الانقلاب، قبلة لليسار ووسط اليسار العربي، وبوجه خاص اليسار الفلسطيني. من زوّار الخرطوم الرائعين وقتذاك الشاعر "نزار قباني"، فتياُ متحدياً بـ"هوامش دفتره" واقع الهزيمة والانكسار في عام 1967. كانت الخرطوم ذلك المكان الذي رفعت فيه الكرامة العربية رأسها بعد "نكسة" يونيو 1967. في تلكم السنوات، كانت هي المكان المشبع بسحر اللاءات الشهيرة. في مكتبة مدينتي الحبيبة، نفثت الخرطوم بعض روحها وحيويتها . .
                                ولأن الخرطوم زهتْ بكلّ هذه الحيوية في جانب ، فإنها بالمقابل سدّدت ثمناً قاسياً في جانبٍ آخر، إذ جرى اختطاف الدبلوماسيين الأجانب، وأغتيل القائم يالأعمال الأمريكي وزميله البلجيكي، في حفل السفارة السعودية، بعد ذلك في سنوات السبعينات. لا عجب أن يقع ذلك في المكان المشبع بانبثاق الكرامة بعد "نكسة" مُذلة، نظر العالم بعدها دهشاً لشعب يصفّق لقائدٍ مهزوم، إسمه جمال عبد الناصر. وبرغم ذلك فقد علِقَ بهاءُ مُستدام بعاصمة السودان. إلى ذلك كسبتْ "مكتبة أم درمان المركزية" عطرها الباقي، أبيداً في فضاء تاريخ المدينة . .
                                أما الآن فهاهي وقد آثر معتمد المدينة أن يوسع الطريق والمداخل إلى بطن سوق أم درمان، فطال التوسيع أطرافاً من المباني التي كانت تشغلها تلك المكتبة، وجرى ترحيل كتبها إلى مكانٍ قصيٍّ، يقع في أطراف "مدرسة المؤتمر الثانوية" في أم درمان ..

                                (5)
                                لو كتب "ت. س. اليوت" في قصيده ، أن الفردوس يخرج من الوردة ، أو لو سمّى شاعرنا السفير "محمد المكي إبراهيم" مجموعته الشعرية: "يختبيء البستان في الوردة" ، فإن بهاء مكانٍ صغير هو "مكتبة أم درمان المركزية" ، قد اختبأت فيه روح مدينةٍ تميّزت بتزاوج أعراقها وتصاهر ثقافاتها، وإني لأرى المكتبة الحبيبة وردة فوّاحة، خبأتْ في بتلاتها بهاء سنوات لن تبلى أيامها ، وأمكنة رسختْ في جدران الذاكرة ، حرّة طليقة. فإن قالت الأسطورة أن رشّ الملح على رماد القواقع والأصداف، كفيلٌ باحيائها من جديد، بمثلما جاء في الأثر عن طائر الفينيق الخرافي، فما يدريك أن يلتفت صديقنا معتمد المدينة بمثل التفاتته لتوسيع مداخل سوق ام درمان، إلى إصلاح حال "مكتبة أم درمان المركزية"، القابعة في مكانٍ قصيٍّ بـ"مدرسة المؤتمر الثانوية"، في الشاطيء الغربي للنيل. ليت القائمون على أمر "المكتبة الوطنية"، يشحذون الهمم للعناية ب:"المكتبة المركزية" لأم درمان ، فقد يكون ذلك كفيلا بأن يعيد للمدينة روحها وفوح بهائها . .


                                حاول أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً عاماً

                                Comment

                                Working...
                                X